|
العرب والغرب : ملاحظات عامة ... ؟!
المسلمون والغرب : علاقات ظلم وصراع
وتوتر ...؟!
المسلمون والغرب : مشاعر وعلاقات مشوهة
... ؟ !
العرب والغرب : استفتاء يوضح طبيعة
العلاقات ...؟!
العلاقات العربية – الغربية : دلالات
إحصائية مبسطة ...؟!
الفاشيون الجدد...؟!
أبرز ملامح سياسات الـ " فاشيون الجدد"
...؟!
(1-2)
ملامح سياسات الـ " فاشيون الجدد " ...؟!
(2-2)
العالم (1991م – الآن ): تشخيص عام ...؟!
العالم ... بعد عقد ونصف من تسيد
الرأسمالية المطلقة... ؟!
جامعة الدول العربية : أخيرا...اتفاقية
لتنفيذ الالتزامات...؟!
حج مبرور.... وتدبر لن يبور....؟!!
" إدارة خداع شامل " ...؟!
" إدارة " تدمير شامل " .....؟!
" إدارة " أغضبت الغالبية
....؟!
مؤسسات المجتمع المدني ... في العالم
العربي ؟!
نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية ...؟!
مراكز الدراســــات
.....؟!
" مراكز الدراسات " في العالم العربي...؟!
كل البشر سياسيون .....؟!
أولى خطى السعي للسعادة العامة ...؟!
فلسـطين : قضية كل العرب الأولى....؟!
" مجموعة الثماني" الكبار والعالم .....؟!
استخدام السلاح النووي كرادع : المفعول
الخفي...؟!
سياسات نووية .....؟!
زوال الغموض النووي الاسرائيلى ...؟!
منطق الصواريخ ... ومنطق الـ " جينسنج ...؟!
وماذا عن ديمونا أيها المجتمع
الدولي ....؟!
نظــــــــام عالمي / رديء.....؟!
وقف " الاســـــلاموفوبيـــــا " ...؟!
آراء أمــــريكـــــية نزيهــــة ...؟!

العرب والغرب : ملاحظات عامة
... ؟!
ا . د. صدقه يحيى فاضــل
تلاشى حلف وارسو في عام 1990م ، وبعد
إنهيار زعيمه " الاتحاد السوفيتي" (عام
1991م) ، الذي قادته روسيا ، لأكثر من
سبعين عاماً. وبذلك , انتهى النظام
العالمي ثنائي القطبية , وبدأ يسود في
العالم نظام القطب الواحد (الولايات
المتحدة / الناتو) . وتحولت روسيا من "
دولة عظمى " ، إلى " دولة كبرى" فقط ، وفي
بعض الأقوال : " متوسطة". وكان كثير من
المراقبين يتوقعون تفكك "حلف الأطلسي"
أيضاً, وحله ... لانتهاء التهديد
السوفيتي ( سبب نشؤ الحلف اصلا ) . ولكن
، حصل أن : استكانت روسيا ، وقوى حلف
الأطلسي أكثر ... بل وتوسع شرقاً ، ليضم
اغلب أعداء الأمس. وتأكدت سطوة
الولايات المتحدة الأمريكية ، كقطب وحيد -
حتى إشعار آخر.
والأسئلة التي يمكن ان تثار هنا، عديدة
... ومن اهما: ما هو التهديد الرئيس ،
الذي تخشاه الدول الأعضاء ، في حلف
الأطلسي ، في الوقت الحاضر، والمستقبل
المنظور , ولماذا تبالغ فى الاستعداد له
؟! لقد كتب إستراتيجيون غربيون عديد ون ،
في هذا الموضوع ... سواء في وسائل الإعلام
المختلفة ، أو في الكتب والدوريات العلمية
، التي تعنى بالأمور السياسية والامنية ،
في الغرب. والبعض من كتابات وأحاديث
هؤلاء ترجم إلى اللغة العربية ، لأهميته.
والواقع ، أننا عندما نحاول الإجابة على
هذا السؤال الهام ، فإن أول مصدر للإجابة
، يجب اللجؤ إليه ، هو: كتابات أولئك
الغربيون ، بالإضافة إلى تحليل سياسات
الدول الغربية الكبرى ( الفعلية ) تجاه
مناطق العالم المختلفة... وتجاه القضايا
السياسية المتنوعة ، في عالم اليوم ،
والمستقبل القريب.
( 11)
وباختصار – وبالاستناد إلى ما توضحه
هذه المصادر الأساسية – فإن " الخطر"
الرئيسي ، فى حسابات الغرب الان ، بعد
سقوط حلف وارسو، والاتحاد السوفيتي، هو:
الإسلام والمسلمون – كما يقولون ؟! هذا ،
بالإضافة إلى: استمرار خشية هذا الغرب من
" أخطار" أخرى ، ما زالت - وستظل – تهدده
, وبجدية لايستهان بها , كما يرى ساستهم
... وفي مقدمتها: -
الاضطرابات العرقية والصراعات القومية ،
خطر التوجه القومي ( التوسعي)
الروسي ، خطر " التوسع الصيني" المتوقع ،
انتشار الأسلحة النووية وبقية أسلحة
الدمار الشامل ، انتشار المخدرات ،
التطرف العقائدي ، الجرائم المنظمة ،
الهجرة الاستيطانية إلى الغرب من قبل بعض
الآسيويين والأفارقة ، الغزو العسكري
للبلدان المصدرة لبعض المواد الخام ، التي
يحتاجها الغرب، العدوان الديكتاتوري... ،
وغير ذلك.
****
ما يجب ان يهم العرب والمسلمين اكثر –
بالطبع – هو: نظرة الغرب ، وسياساته
نحوهم... واعتبار الغرب للإسلام ( أو ما
يشيرون إليه – في الغرب – بـ " الصحوة
الإسلامية " , او " الاسلام السياسى
"... وما إلى ذلك من أوصاف ) تهديد رئيس
محتمل ( ان لم يكن الرئيس ) للغرب (
الأطلسي ) بعد انهيار الماركسية –
السوفيتية , لما تولده ( هذه النظرة ) من
حقد وتربص غير مبرر. وقد ترسخ هذا
الاعتقاد الغربى( او رسخ ) بعد هجمات
تنظيم " القاعدة " على امريكا , وغيرها .
إن هذا الشعورالغربى قديم ، قدم العلاقة
بين الغرب المسيحي ( الصليبى ) ،
والمسلمين. والجديد فيه , وبشانه , هو
اختلاف " الظروف " فقط . حيث أخذ – في
الفترة المعاصرة – مضمونا سياسياً خطيرا
معيناً... سنتطرق اليه لاحقاً . ولاشك ،
أن الغرب – بصفة عامة – يسيء ( فى احسن
الظروف ) فهم الإسلام،
( 12 )
ولذا يخشاه ... فعندهم أن : الإسلام هو :
دين ديكتاتوري ، يحض على الركود والتخلف (
حاشا لله ) ويهيئ معتنقه كي يسعى سعياً
للموت ، في سبيل قتال غير المسلمين . وهم
- في الغرب – يظنون أن المسلمين ، إن
أخذوا بالسبل الحديثة للتطور ، ونهضوا ،
وقوى مركزهم ، فإنهم سيقيمون دولة كبرى
، وربما عظمى ... تعادي الغرب ، وتتربص به
الدوائر. ( ثم يحمدون الله – بين بعضهم –
على حد قول البعض الاخر منهم - لأن
المسلمين يرفضون " السبل الحديثة " للنهوض
, او لايعيرونها اهتماما مناسبا )...؟!
فالدولة الإسلامية – في رأي الغرب –
ترفض كل " قيم" الغرب ، وتنبذ أهم
تقاليده... وتسفه مبادءه . ولا تكتفي
بذلك ، بل تحاول فرض القيم الإسلامية ،
على الغرب , وغيره – عنوة . حيث أن
الدولة الإسلامية الكبرى – إن هي قامت –
ستحاول أن تفرض على الغرب ، فور
استتبابها ، إما : الإسلام ، أو دفع
" الجزية " ، أو الحرب ... ؟! وكل
الخيارات الثلاثة ( المتخيلة ) مرفوضة –
بشدة – من قبل الغرب , وغيره – كما هو
معروف.
لذلك ، وللحيلولة دون قيام كتلة إسلامية
كبرى ، فإن الغرب يجب أن يتبع ، نحو
العالم الإسلامي ، بصفة عامة ، والعالم
العربي منه ، على وجه الخصوص ، سياسات (
وقائية ) حذرة ... هدفها : إضعاف
المسلمين ، إلى الحد الذي لا تقوم لهم
قيامة ، عنده . ولتحقيق هذا الهدف
الخطير ، يتبع الغرب – بصفة عامة –
" وسائل " عدة ، من أهمها: -
1- عرقلة أخذ المسلمين بالسبل
الصحيحة ، للنهوض والتطور...
2- العمل على تمزيق هذه الأمة ، وضمان
تفرقها. وقد نجح الغرب – أيما نجاح – في
إتباع هذه " الوسيلة " . ولعل أهم مظاهر
نجاحه في هذا الصدد ، هي أن الغرب هو
الذي رسم معظم " الحدود " ، التي " تفصل
" بين معظم البلاد العربية والإسلامية ،
ودق إسفين ، فيما بين عناصر هذه الأمة ,
عبر رعاية القطرية والطائفية والمذهبية.
( 13 )
3- دعم إسرائيل ، وضمان تفوقها ...
وتشجيعها للقيام بدورها الهدام ، ضد
العروبة والإسلام.
4- فرض السيطرة غير المباشرة ، على
كثير من البلدان العربية والإسلامية.
وغير ذلك ، مما يطول شرحه , واصبح معروفا
وملموسا لدى كافة المتابعين .
****
ولم يكتف الغرب بهذا ... بل جعل
من أبرز مهام حلف شمال الأطلسي ، مواجهة
ما يسميه بـ " الخطر الإسلامي" المحتمل
... وقد تمكن الغرب , بفضل قوته وتفوقه
العسكرى والتقنى الهائل , والضعف المشهود
للعرب والمسلمين , من تحقيق كل ما يريد
عمله ( وزيادة ) تجاه الامة العربية
والاسلامية - كما هو معروف . فميزان
القوى يميل ( وبشدة ) لصالح الغرب ....
لدرجة ان المقارنة تصبح الان غير واردة ,
بين الجانبين .
لذا , يمسى معظم ما يقوم به الغرب
تجاه هذه الامة حاليا هو من قبيل :
التحسب والحيطة . وقد نتحدث ، في المقال
القادم ، بالمزيد عن هذه السياسة
الغربية ، ونتائجهابالغة السلبية , وسبل
تعديلها ( ان كانت قابلة للتعديل فى
المديين القصير والمتوسط ) ... في اتجاه
الحقيقة والانصاف والعدالة , ولصالح كل
اطراف هذه العلاقات السياسية المضطربة ...

(14)
المسلمون والغرب : علاقات ظلم وصراع
وتوتر ...؟!
صدقه يحيى فاضــــــــل
يمكن وصف معظم السياسات الغربية
الفعلية المعاصرة ، نحو غالبية المسلمين
، بصفة عامة ، بالعدائية والسلبية. ولعل
السبب الرئيس لذلك ، هو: نظرة الغرب (غير
الصحيحة ) تجاه الإسلام ، والمسلمين .
ونجد أن أهم أهداف سياسة الغرب ، نحو
معظم العرب و المسلمين , تتلخص في :
العمل على إضعاف هؤلاء ، والحيلولة دون أن
يكون لهم شأن يذكر ، في العلاقات الدولية
المعاصرة . ولتحقيق هذا الهدف ( الرهيب )
يتبع الغرب " وسائل " عدة ، ذات ابعاد
سلبية ... ذكرنا أهمها ، في المقال
السابق لهذا.
وقد نتج عن هذه السياسة ، أو عن نجاحها ،
تفاقم تخلف اغلب العرب و المسلمين ،
وتزايد تخبطهم ، وبؤس حياتهم : الاقتصادية
والاجتماعية والسياسية – مما أصبح معروفاً
. بحيث أضحت معظم البلاد العربية
والإسلامية تحسب ضمن دول العالم "
المتخلفة " . ومع ذلك ، لا يجب – بالطبع -
رد سبب تخلف معظم العالم العربى و
الإسلامي إلى : عداء الغرب ، فقط .
إذ أن السبب الأول ( والرئيس ) لهذا
التخلف والتدهور ، هو : العرب و المسلمين
أنفسهم ... وبخاصة: أسلوب تفكيرهم الحالي
، ونمط حياتهم ، وطريقة تعاملهم الحالية
، مع أنفسهم ، ومع الغير. وهو ما يشار
إليه بـ " العائق الذاتي" ( في
سبيل نهوض العرب والمسلمين ) . ثم يأتي –
بعد ذلك – " العائق الخارجي" ... أو
العداء الغربي بخاصة ، والاجنبى بعامة .
هذا ، ويمكن – مرة اخرى - حصر أهم أسباب
هذا العداء الغربي ، فيما يلي:-
( 15 )
1 - عدم إيمان معظم الغرب بـ " أن
الدين عند الله الإسلام" ، وإيمان معظم
هذا الغرب بأن المسيحية ( كما قال بها
أحبارها الأوائل ) هي كلمة الرب الأخيرة.
2 - سوء فهم الغرب للإسلام (
الصحيح ) ... إذ لو فهم الغربيون الإسلام
( على حقيقته ) لربما أسلموا هم أيضاً ،
والله اعلم ....
3 - حساب الغرب لسوء سلوك بعض "
المسلمين" ، على الإسلام ... مع أن
الإسلام من هذه السلوكيات براء ... فهو
يرفض : الحماقة والسفه ، والعنف غير
المبرر ، وسوء التدبير ، والتطرف ، والكبت
والظلم واللامساواة , والاستبداد... وما
إلى ذلك ، من سلوكيات شائنة. ولا شك ،
أن هذه السلوكيات ، بالإضافة إلى رفض
الإسلام لها ، فإنها مرفوضة – بشدة –
منطقياً ، وإنسانيا، وليس غربياً وحسب.
ومن الظلم ، إذاً ، أن تحسب على الدين
الإسلامي الحنيف ، الذي يحرمها – كما
أشرنا ، وكما هو ثابت.
4 - طمع الغرب في بعض الموارد الطبيعية
، التي تذخر بها بعض البلاد العربية و
الإسلامية ، وإصراره على الهيمنة على تلك
الموارد ، بشتى الطرق والوسائل الممكنة .
5 - سيطرة فئات معادية للعرب والمسلمين
( وبخاصة من الصهاينة ) على كثير من
قطاعات الإعلام والثقافة والسياسة
الغربية... وتشويه هؤلاء لصورة العرب
والمسلمين ، عبر : الكذب والتزوير ، في
أغلب الأحيان... وغياب الرد العربي
والإسلامي ( المناسب ) على هذه العملية
التشويهية ، الصارخة ، والبعيدة الأثر.
****
( 16 )
ولا جدال ، أن من مصلحة العرب والمسلمين ،
العمل – بالتعاون مع الجهات الموضوعية في
الغرب – على قيام تعاون بناء ، وتفاهم
إيجابي ، بين
الجانبين. فليس من صالح الطرفين أن يكون
أساس علاقاتهما هو: العداء والصراع ...
والتوتر والريبة – فى احسن الاحوال .
وعلى العرب والمسلمين ، إن هم أرادوا أن
يصحح الغرب نظرته لهم ، أن يتعاملوا مع
" أسباب " هذه النظرة ، المتحاملة
والخاطئة. فإلغاء هذه الرؤية العدائية
الغربية رهن بإلغاء ( أو تغير ) " أسبابها
" الرئيسية ، المذكورة آنفا.
****
وقد نتج عن هذا التحامل ( ان لم نقل
العداء ) الغربى ماس وكوارث ونكبات لاحصر
لها ... انزلها الغرب ( الاقوى ) بالعرب
والمسلمين , منذ بداية العصور الحديثة
... بدءا بالحملات الصليبية , مرورا
بالاستعمار ( قديمه وجديده ) والعدوان
المباشر وغير المباشر , وزرع الكيان
الصهيونى فى قلب العالم العربى ,
وانتهاءا بالهيمنة غير المباشرة على
مقدرات ومصائر اجزاء كبيرة من العالمين
العربى والاسلامى .
ومن اوضح مظاهر هذه السياسة الغربية هو
: ما فعلته – وتفعله – الدول الغربية
المتنفذة فى كل من فلسطين ( المغتصبة )
والعراق المحتل . وقد نكب القطر الاخير
بحقد مضاعف – كما يبدو ..... نتج عنه :
قتل اكثر من مليون عراقى , منذ العام
1991م , وجرح واعاقة مليون اخر , وتشريد
حوالى مليونين من ديارهم . اضافة الى غزو
, واحتلال ذلك البلد .... وتدميره –
تدميرا منهجيا – ونهب امواله وثرواته
ووثائقه , بل وتدمير حتى اثاره , وسرقة
بعضها . وذلك فى مخالفة صريحة لكل
القوانين والاعراف والقيم الانسانية ,
ودون سند مقبول , سوى الحقد والاطماع ,
والرغبة فى التشفى من كل الامة .
وبلغت الوقاحة بالبعض فى الغرب لدرجة
التباكى على حوالى ثلاثة الاف جندى امريكى
غاز , قتلوا بالعراق ( على يد المقاومة
العراقية البدائية و البسيطة ) مع
التجاهل التام – والمهين – لما انزله
هؤلاء وزملاءهم بارض
( 17 )
الرافدين من قتل وسفك دماء , وتخريب
وتدمير .... ؟! فكان من يؤسف عليه هو
الدم الامريكى ( المحدود – نسبيا ) فقط
.... اما دماء العرب المسلمين العراقيين
التى سالت انهارا , فيبدو ان لاقيمة
لها , فى راى اولئك "
المتحضرين " ...؟! ولا يجدر نسيان ان
امريكا لم تكتفى بذلك , بل قامت – فور
احتلالها للعراق – بفتحه لاسرائيل ...
التى بعثت الالاف من عملاءها ليعيثوا فى
ارض العراق قتلا وتدميرا , ونهبا . وقد
قتل الاسرائيليون الكثير من علماء العراق
, المتخصصين فى الدراسات الفيزيائية
والكيميائية بالذات .
وفي أي حوار موضوعي ونزيه ، بين الغرب من
جانب , والعرب والمسلمين من الجانب الاخر
، يجب أن تتركز محاور هذا الحوار على
هذه " الحقائق " الصارخة , او المظالم
الموثقة ، التي توحي بها " الأسباب" (
لدى الطرفين ) صراحة وضمناً... والا سوف
لن يكون لهكذا حوار اى مردود ايجابى .
هذا , ان كانت هناك نوايا حقيقية ( خاصة
من الجانب الغربى ) لوقف الظلم , وتسوية
الصراع , وانهاء التوتر .....

(18)
المسلمون والغرب : مشاعر وعلاقات مشوهة
... ؟ !
صدقه يحيى فاضــــــــــل
دائماً ما يحتوي العالم ، كما هو معروف ،
وعبر كل مراحل تاريخه ، على "حضارات"
مختلفة , وقوى متنفذة . حيث لكل " حضارة
" شكلها وقالبها المادي ، ومضمونها
العقائدي ، وقيمها... الخاصة بها. و "
الحضارات" ، طالما هي مختلفة ، فإن
العلاقة بينها لابد أن تتأرجح ( دائماً)
بين ظاهرتين ، هما : التعاون والصراع ...
وبإمكان الحضارات المختلفة أن تغلب "
التعاون " ( فيما بينها) على الصراع.
فذلك غالباً ما يكون لمصلحة الحضارات
المعنية ، وكل البشرية. والتعاون يمكن –
بسهولة – أن ينشأ وينمو ، إذا أزيل سوء
الفهم ( المتبادل) بين المعنيين ... وتم
تصحيح الانطباعات النمطية الخاطئة .
وإزالة سوء الفهم هذا ، لا تتحقق إلا عبر
: اللقاءات الودية , والحوار الموضوعي
الصريح ، والاحترام المتبادل ، وإدراك
أهمية نبذ الصراعات ، والتأكيد على
المصالح والقيم المشتركة.
****
وقد قامت الدنيا ، ولم تقعد ، في معظم
العالم العربى والإسلامي ، عندما طرح عالم
السياسة الأمريكي " صامويل هنتنقتون" ,
في العالم 1992م ، كتابه عن " صراع
الحضارات "... موضحاً هذه الحقيقة. إن
صراع الحضارات المختلفة هو أمر طبيعي.
ولا شك ، أن الحضارات المختلفة ( جذريا )
عن بعضها ، يصعب التعاون فيما بينها ،
ولكنه لا يستحيل . ومن البديهي، أن تتغلب
الحضارة الأقوى – مادياً ومعنوياً – على
الأضعف منها ... ومن الطبيعي ، بل البديهي
، أن يواجه
( 19 )
الغرب حضارات مختلفة ( بحدة ) أخرى ،
بعد انهيار الحضارة الماركسية – السوفيتية
، وقبله....
هكذا ، قال " هنتنقتون" ، مضيفاً أن
: الحضارة الإسلامية ( الإسلام ) هي الآن
( وبعد تداعي الماركسية – السوفيتية )
الحضارة الأكثر تحدياً للغرب ... لأنها
الأكثر اختلافاً عنه , ورفضا له ... وقد
ثار كثير من المثقفين العرب ، من هذه
الحقائق البديهية ، وطالبوا "هنتقتون"
بأن يعدل مقولته ، لتشير بان : الإسلام لا
يهدد أحداً ، وهو يمكن أن يكون صديقاً
للغرب ...؟! ذلك صحيح فقط اذا توفرت "
شروط " تحققه , فى ارض الواقع .... .
و لابد هنا من ادراك وتذكر أن " هنتنقتون"
لم يأت بجديد يذكر . فما قال به هذا
المفكر الأمريكي سبق أن قال بمعظمه مفكرنا
العربي الشهير ابن خلدون ( 732 – 808هـ
) ... وخاصة فيما يتعلق بالعلاقات بين
الحضارات البشرية ، المختلفة. ربما يمكن
اعتبار الشيء الجديد الوحيد ، الذي أتى
به "هنتجتون" , هو : زعمه بانتقال "
الإسلام " ( في نظر الغرب ) من المرتبة
الثانية ، إلى الأولى ... في قائمة
الأعداء ، أو الخصوم ؟!
نعم ، الإسلام – في حقيقته – لا يهدد
أحداً... وهو يمكن أن يكون صديقاً لجميع
الحضارات ، والشعوب ، وفي مقدمتها :
الحضارة الغربية ، خاصة عندما يصبح
المسلمون مسلمين بحق ، وبالفعل ، ويدافعون
عن دينهم الخالد ، يشكل موضوعي......
ويعترفون بعيوب سلوكيات بعضهم , ولا
يتوانون عن الأخذ بكل ما يمكن أن يجعلهم
أقوياء ، متقدمين , لا رافضين لكل ماهو
حديث . إن العالم لا يحترم إلا القوي (
بمعنى القوة الشامل )... ولا يكن أي
تقدير يذكر للضعفاء ، وأولئك الذين
تقتصر بضاعتهم على الكلام والوعظ , وتنبى
افعالهم عن نفوس شريرة , وسرائر خبيثة
......
( 20 )
وفي رأي المراقبين : أن الغرب ، إن
اعتبر مسلمي اليوم " عدوه " الرئيسي ،
بعد الشيوعية ، فإنما يبالغ – بقصد
اوبغير قصد - في تقدير " قوة " ( و "
خطر" ) المسلمين. بل أن الغرب – في
هذه الحالة – يكون كمن يتحدث عن "عدو" في
قبضته ... وعن "معركة " كسبها ، قبل أن
تبدأ ، بمدة طويلة. فالعرب والمسلمين –
الآن – ضعفاء ، مادياً ومعنوياً- خاصة
مقارنة بالغرب . ولكن احتمال نهوضهم ،
وتفوقهم ، يظل وارداً... بسبب طبيعة
عقيدتهم ، وما يملكونه من موارد وطاقات ،
طبيعية وبشرية ، هائلة ... يمكن , ان
وجهت واديرت بشكل سليم ونزيه , ان تجعل
منهم قوة ضاربة . على هذا " الأساس "
فقط ، يجوز " تبرير" خشية الغرب ، في
المدى الطويل.
وكما يخشى الغرب المسلمين ، فإن
المسلمين يخشون الغرب اضعافا مضاعفة ، بل
ويخافونه... ( مع وجود ما يبرر هذا الخوف
، وتلك الخشية ) . وهذا – مرة أخرى –
أمر طبيعي ... يحتمه كون كل منهما حضارة
مختلفة , ولكل اطماعه . وهذه الحقيقة ،
وما شابهها , تضع على المسلمين –
باستمرار – مسؤلية ان يبرهنوا للغرب ،
ولغيره ، أن الإسلام يمكن أن يتعايش مع
غيره ، في وئام وسلام... وأن علاقات
المسلمين بغيرهم ، يسهل أن يكون أساسها "
التعاون " ، لا الصراع.
إن على العرب و المسلمين واجب ( جهادي )
مؤكد ... يتمثل في : العمل على إقناع غير
المسلمين كافة ( وبالفعل ، لا بالقول )
بأن الإسلام هو : دين منطق و تسامح .
وعليهم أن يوضحوا أن هزال معظم المسلمين
الحالي ، لا يسأل عنه الإسلام . فمن
مصلحة المسلمين أن تكون علاقاتهم ، مع
غيرهم ، وخاصة الغرب ، هي علاقات تعاون
وسلام ... وسواء مع الحضارات الاقل , او
الند ، أو الحضارات المتفوقة ... لندفع
مع الجميع بالتى هى احسن .
( 21 )
ومن الناحية الأخرى الاهم ، فإن " خشية"
الغرب من الإسلام والمسلمين ، لا تبرر –
على الإطلاق – السياسات العدائية ( النشطة
) المدمرة التي ينتهجها
الغرب ، صراحة وضمناً ( سراً وعلانية )
ضد معظم أجزاء العالم العربى والإسلامي.
وهذه الخشية المفتعلة ، أو الواهمة ، لا
تعطي للغرب أي حق لأن يتدخل – كما يفعل ،
في الوقت الحاضر – في كل أمور هذا
العالم... ويحاول ( بإصرار عجيب )
تسيير شؤون ذلك العالم العامة – عبر أذناب
الغرب ، وغيرهم – في الاتجاه الذي يخدم
" المصالح" الغربية ، ويضر ( إضراراً
بالغاً ) وغالبا , بالمصلحة العليا،
للإسلام والعرب والمسلمين.
وبعد ، فإن هذا الموضوع طويل ، ومتشعب
... وكل ما قلناه عبارة عن : ملاحظات
ونقاط ، جد عامة ... والمؤمل ان يضطلع
بعض الباحثين و الكتاب بدراسة هذا الموضوع
( المصيرى ) والكتابة فيه , وعنه , سواء
فى هيئة مقالات صحفية , او ابحاث ...
يستفاد منها ..... فى ترشيد تعامل
العرب ( والمسلمين ) مع هذا "
الغرب " الجبار , والعنيد ..... بل ان من
الضرورى ان تقام فى العالمين العربى
والاسلامى " مراكز دراسات " علمية ...
تهتم بدراسة دول الغرب الهامة ...
لفهمها فهما صحيحا , وبالتالى ترشيد
السياسات العربية تجاه هذه البلاد . وقد
تكون هذه الدعوة لفهم هؤلاء ( الاخرين )
سابقة لاوانها .... اذا اخذ المرء فى
اعتباره تخاذل اغلب العرب عن فهم انفسهم
...

ب : استفتاء يوضح طبيعة العلاقات ...؟!
أ. د. صدقه يحيى فاضـــــــل
سبق أن كتبت عدة مقالات ، في موضوع واحد
كبير ومتشعب ، هو: العلاقات بين العرب
(والمسلمين) والعالم الغربي. تطرقت تلك
المقالات لبعض أهم ملامح هذه العلاقات ،
في الوقت الحاضر. حاول التحليل المبسط
الذي تضمنته تلك المقالات أن يكون
موضوعياً... وبعيداً عن التشنجات
المعتادة، التي كثيراً ما تتجسد في الصور
الذهنية الجاهزة
(Stereo – typing)
لكل طرف ، لدى الطرف الآخر، والتي تسود –
عادة -عند " العامة " في الجانبين. تلك "
الصورة " التي كثيراً ما تتعاظم ... لحد
اعتبار العرب قوم برابرة ومتوحشون (من قبل
بعض أهل الغرب) واعتبار بعض العرب " الغرب
" أمة ذات حضارة منحلة، ومنحطة، وآيلة
للسقوط والانهيار – قريباً...؟!
بينما يؤكد العقلاء في الجانبين على ضرورة
التعايش بين العالمين، على هذا الكوكب في
أمن وسلام، عبر: المحاولات المستمرة لفهم
كل منهما للآخر ... فهماً حقيقياً
وموضوعياً ، ومن ثم إقامة جسور تقارب
وصداقة بينهما، تؤسس على الاحترام
المتبادل. إن الحوار البناء بين الطرفين
يسهم- دون شك – في تقريب وجهات النظر،
والحيلولة دون تفاقم الخلافات
(والاختلافات) الجوهرية بينهما، ودفعهما
نحو التصادم. كما أن هوة الخلافات يمكن
ردمها , شيئا فشيئا , بالتسامح المتبادل ,
وتغيير السياسات الظالمة , والمسيئة.
ولكن، ما أبعد الغالبية في الطرفين عن هذا
الوضع العقلاني (الأمثل) والموقف الإيجابي
الأسلم. إذ يلاحظ أن العلاقة تسوء كلما
اقتربنا من شرائح المجتمع العادية، وشبه
المتعلمة (وهي الأغلبية) . ومعروف بأن
هيمنة الغرب وسطوته الحالية لم (ولن) تحسم
الخلاف التقليدي , بين العالمين , من
الناحية الفكرية , وان حسمته ماديا .
فالقوة المادية تلعب دورا محدودا في هذا
الشأن . على أي حال ، ستظل العلاقات بين
الحضارتين موضوعاً واسعاً ومتشعباً ، له
مئات الجوانب المختلفة، والتي يخضع كل
منها لتفسيرات وتأويلات ... تتنوع
باختلاف الميول، وتختلف بتنوع المصالح
والأهواء، في جانبي العلاقة الرئيسين .
ومع ذلك , تظل هناك حقائق ينبغي عدم
تجاهلها .
* ** *
وغالباً ما تعكس استطلاعات " الرأي العام
"
(Polls)
رأي وموقف المعنيين تجاه القضايا
والمواضيع المختلفة التي تهمهم. لذا، لفت
نظري مؤخرا استقصاء للرأي العام في الغرب
، وفي العالم العربي والإسلامي , في خمس
مواضيع تعتبر – في رأي – أهم مؤشرات (
مضامين ) طبيعة العلاقات بين الجانبين.
فلقد تضمن ذلك الاستطلاع " رؤية " كل طرف
تجاه بعض القضايا المشتركة . وما نشر ،
كأهم استنتاجات ذلك البحث الميداني، يشد –
في الواقع – الانتباه , لملامسته الفعلية
لواقع هذه العلاقات .
وقد أجرى ذلك الاستفتاء في إحدى وعشرين
دولة غربية وعربية وإسلامية. وتم نشره من
قبل لجنة الحوار بين الغرب والإسلام ، في
مؤتمر " دافوس " , الذي عقد عام 2007م
الماضي في سويسرا. (نشر ملخص للاستفتاء في
مجلة "المجلة " التي تصدر من لندن :
العدد 1461 ، 16/2/2008م ، ص22-26).
وعرف " الغرب " , في هذا الاستطلاع ,
بأنه : يشمل أوروبا ، وأمريكا الشمالية ،
واستراليا، ونيوزيلندا، وبعض دول أمريكا
اللاتينية. أما مصطلح " العالم الإسلامي"
فيشير إلى: مجموع البلدان ذات الأغلبية
المسلمة ، بصرف النظر عن الاختلافات
الفكرية والمذهبية المعروفة.
****; ****
ولمعرفة الوضع الحالي (بصفة عامة)
للعلاقات بين الجانبين ( تجريبيا )
سنستعين بأهم استنتاجات ذلك الاستفتاء .
ويمكن اعتبار " محصلة" هذه النتائج :
الرؤية العامة لكل جانب نحو الآخر ، في
الوقت الحاضر. وهذه الرؤى تجسد – في واقع
الأمر - أهم مضامين العلاقات الحالية بين
الطرفين ، أو الحضارتين , كما نوهنا .
ونوجز هذه الاستنتاجات في المقال القادم ،
بإذن الله .

العلاقات العربية – الغربية : دلالات
إحصائية مبسطة ...؟!
أ. د. صدقه يحيى فاضـــــــل
لمعرفة أهم ملامح العلاقات العربية –
الغربية ، في الوقت الحالي، معرفة موضوعية
موثقة ، يمكننا الاستعانة بالاستفتاء الذي
أجرته لجنة الحوار بين الغرب والإسلام
لحساب مؤتمر دافوس ، المنعقد مؤخراً في
سويسرا , أو ما شابهه . وقد نشرت مؤخرا
نتائج هذا الاستفتاء ... الذي يعتبر
مضمونه – من قبل كثير من المراقبين –
مؤشراً جيداً لأهم ملامح العلاقات الحالية
بين العرب والمسلمين من جانب ، والعالم
الغربي من جانب آخر.
وسنورد , في هذا المقال , أهم استنتاجات
ذلك الاستقصاء ، في أهم جوانب هذه
العلاقات ، وأكثرها عمومية، كما تجسدت في
الأسئلة الخمسة الرئيسية لذلك الاستفتاء.
وتوجز هذه الاستنتاجات "رؤى" كل جانب
للآخر ... هذه الرؤى ( الرقمية ) التي
تمثل - بشكل أو آخر – أهم مكونات العلاقات
الحالية بين هاتين الحضارتين.
* ** *
صممت استبانه الاستفتاء لتحتوي على خمسة
أسئلة رئيسة ... تمثل الإجابة على كل منها
رؤى الطرفين. وهذه الأسئلة هي:-
1- هل يرغب العالم الإسلامي تعزيز
التفاهم (والتفاعل) بينه وبين العالم
الغربي؟! ( وتم توجيه هذا السؤال لعينات
من الجانب الغربي فقط ).
2- هل يرغب العالم الغربي تعزيز
التفاهم (والتفاعل) بينه وبين العالم
الإسلامي ؟! ( ووجه هذا السؤال لعينات من
الجانب الإسلامي وحده ) .
3- هل تعتقد بأن العالم الغربي
يحترم العالم الإسلامي؟
( وجه هذا السؤال لعينات من 21 دولة . من
الجانبين : الإسلامي والغربي ) .
4- هل تعتقد أن التفاعل (والتفاهم)
بين العالمين الإسلامي والغربي سيكون أفضل
أم أسوأ مستقبلا ؟
(ووجه هذا السؤال لعينات من 20 دولة : من
الجانبين : الإسلامي والغربي) .
5- هل التفاهم والتفاعل الوثيقين
بين العالمين الإسلامي والغربي مفيد ؟!
(وهذا السؤال تم توجيهه إلى عينات من 20
دولة من الجانبين الإسلامي والغربي ).
* ** *
وقد قامت مؤسسة "غالوب " الشهيرة
لاستطلاعات الرأي بإجراء هذا الاستفتاء ،
لحساب مؤتمر دافوس ( منتدى العالم
الاقتصادي / السياسي ). وعمل هذا
الاستطلاع على عينة عشوائية في تسع دول
عربية وإسلامية (هي: فلسطين ، مصر،
السعودية, تركيا، إيران ، بنغلاديش،
باكستان، ماليزيا، اندونيسيا). واثني عشر
دولة "غربية " (هي: الدنمرك، السويد،
أمريكا، كندا ، البرازيل، روسيا، إسرائيل!
، هولندا، بلجيكا، أسبانيا، إيطاليا،
سنغافورة! ) بما مجموعه واحد وعشرون دولة.
******
ونلخص فيما يلي " المتوسط العام " لإجابات
هذه العينة، على كل من الأسئلة الخمسة
المشار إليها . علماً بأن هذا "
المتوسط " جاء على أساس جمع " النسب" في
كل الدول، في " نعم" و " لا " ،
وتقسيم الحاصل على عدد الدول ( العينات ).
1- بالنسبة للسؤال الأول : فإن نسبة من
يقولون "نعم" : أن العالم الإسلامي يرغب
في تعزيز التفاهم مع الغرب هي: 32% من
المبحوثين ( الغربيين )، بينما نسبة من
يقولون " لا " هي: 53%.
2- السؤال الثاني: نسبة من يقولون "نعم"
: أن العالم الغربي يرغب في تعزيز
التفاهم مع العالم الإسلامي هي: 25%
من المبحوثين العرب والمسلمين ، بينما
نسبة من يقولون " لا " هي 50%
من ذات المبحوثين.
3- السؤال الثالث: نسبة من يقولون "
نعم " أن : العالم الغربي يحترم العالم
الإسلامي هي: 30% ( من المبحوثين في
العالمين الإسلامي والغربي ) بينما نسبة
من يقولون " لا " على هذا السؤال هي: 52%.
4- السؤال الرابع : نسبة من يعتقدون أن
التفاهم بين العالمين الإسلامي والغربي
سيكون أفضل هي: 22% ( من المبحوثين في
العالمين ) بينما نسبة من يقولون " لا "
( اى سيسوء أكثر ) هي: 55%.
5- أما بالنسبة للسؤال الخامس والأخير :
فإن نسبة من يعتقدون أن التفاهم بين
العالمين الإسلامي والغربي " مفيد " , و
"نعم " لهذا التفاهم , هي: 45% ، بينما
نسبة من يعتقدون العكس ( " لا " ) هي: 34%
من العينة المبحوثة من العالمين الإسلامي
والغربي.
****
ونترك للقارىء الكريم تفحص هذه
النسب ... لمعرفة دلالات ومعاني ومغازى كل
نسبة رقمية . فنسبة الإجابة على كل سؤال
توضح ( بدقة لا باس بها ) طبيعة العلاقة
الحالية بين العرب ( والمسلمين ) والغرب ,
في أهم جوانبها . ومن هذه النسب : يتبين
أن العلاقات الشعبية ( والنخبوية /غير
الرسمية) بين الجانبين هي ( في الأصل )
علاقات توجس وتوتر .... علاقات يسود فيها
" الصراع" على " التعاون " .... وقد نعود
لهذا الموضوع لاحقا , إن شاء الله .

( 11 )
" الفاشيون الجدد"...؟!
صدقه يحيى فاضــــل
هناك عشرات " المصطلحات" السياسية الشائعة
، في عالم اليوم ، التي إكتسبت صفة سلبية
مكروهة .. ومستهجنة , بسبب إرتباطها
بمفاهيم وسلوكيات مفزعة ، وغير مقبولة.
من ذلك، لفظة الـ " فاشية" (Fascism)...
والتي تعني : إنفراد قلة ... ذات عقيدة
عدوانية معينة ، بالسلطة ، في بلد ما معين
، ومحاولة هذه القلة ( القليلة ) فرض
مبادئها وتوجهاتها على الآخرين , بالقوة
والتسلط ... فهي " ديكتاتورية" قلة ...
تسعى لفرض إيديولوجية سياسية معينة ، في
أرض واقع معين ... بالقوة والإرهاب ... أو
بالحديد والنار .
ويعود هذا المصطلح لحركة الزعيم الإيطالي
"موسوليني" (1883 - 1945م ) اليمينية
المتطرفة , وما شابهها كـ " النازية " ,
وغيرها . ومؤخراً ، شاع استخدام هذا
المصطلح ، في بعض الأوساط العربية
والإسلامية ، عقب وصف الرئيس الأمريكي بوش
الابن لبعض الأعمال " الإرهابية " بأن من
يقوم بها هم " إسلاميون فاشيون" ... فكأنه
يريد وصف المسلمين – أو بعضهم – بـ"
الفاشية" , بالمعنى المشار إليه... وهو-
في رأى الكثير - احد اكبر الفاشيين في
الوقت الحاضر , في العالم... لانطباق
مضمون هذا المصطلح علي أقواله وأكاذيبه
وأعماله.
****
والواقع , أن الرئيس بوش ليس وحده
الفاشي ... بل كل أو أغلب من يطلق عليهم
بـ " المحافظين الجدد " يندرجون ضمن هذه
الفئة. ولم يكن هؤلاء يعرفون من قبل
سيطرتهم على حكومة الولايات المتحدة في
السنوات الأخيرة. وان أفعالهم وسياساتهم
تجعلهم يستحقون – بحق – هذه التسمية ( "
الفاشيون الجدد" )... فمعناها ينطبق على
أفكارهم وسياساتهم ، في الوقت الراهن ،
أكثر من انطباقه على أي جهة أخرى.
لقد سيطر هؤلاء على السلطة التشريعية في
حكومة أميركا ( الكونجرس
بمجلسيه: النواب والشيوخ ) خلال السنوات
الماضية ... وذلك مكنهم من " الفوز"
برئاسة الجمهورية ( بوش الابن ) والهيمنة
على " السلطة التنفيذية " بالكامل ... ومن
ثم ، السيطرة على " السلطة القضائية" (
المحكمة العليا ) عبر تعيين بعض قضاتها ،
الذين يميلون للحزب الجمهوري ، وزمرة
المحافظين المتشددين فيه.
ففي الانتخابات قبل الأخيرة ، وهي
الإنتخابات التي تمت في نوفمبر 2004م ، "
فاز" الجمهوري بوش على الديمقراطي "جون
كيري" ، واحتفظ الحزب الجمهوري بذلك
بالسلطة التنفيذية ، بعد " فوز" بوش
بولاية أوهايو ؟! أما توزيع مقاعد السلطة
التشريعية ، فقد كان على النحو التالي:-
|
|
جمهوري |
ديمقراطي |
مستقل |
المجموع |
|
- مجلس النواب |
232 |
202 |
1 |
435 |
|
- مجلس الشيوخ |
55 |
44 |
1 |
100 |
****
وكان لهذه الهيمنة ( الجمهورية – المحافظة
) ما كان ... من نتائج رهيبة ، وتبعات
سلبية بشعة ، على الولايات المتحدة ،
والعالم ، بصفة عامة ، ومنطقة " الشرق
الأوسط " ، على وجه الخصوص. ففي أمريكا:
تدهور الاقتصاد ، وتصاعد العجز في
الميزانية الفيدرالية ، وزادت البطالة ،
وتقلص الإنفاق على برامج الرفاه والضمان
الاجتماعي ، وما إلى ذلك.
وفى الخارج , أشعلت الحروب ، وحيكت
الدسائس والمؤامرات ، وإرتكبت جرائم ( غير
مسبوقة ) ضد الإنسانية ، وضرب بعرض
الحائط بكل القوانين والأعراف الدولية ...
مما أصبح معروفاً لدى العالم قاطبة ...
وانعكس ذلك ( بالسلب ) على صورة أمريكا
وسمعتها ... بحيث أصبحت دولة مكروهة ، في
هذا العالم – كما جاء في اغلب استطلاعات
الرأي الأمريكية , وغير الأمريكية ,
الأخيرة .
****
وقد إستغل هؤلاء الاعتداءات الإرهابية ...
التي تعرضت لها أمريكا ( 11 / 9 / 2001م )
والخوف من تكرار تلك الأحداث ... لتخويف
الشعب الأمريكي ، وتوجيه موارده للحرب
والعسكرة , ومحاولة التظاهر بالشدة على
الإرهاب ، إستغل أولئك – من ثم - كل هذا
، لكسب " تأييد" غالبية الشعب
الأمريكي البسيطة ، للإستئثار بالسلطة ،
وتنفيذ أجندتهم ، المحلية والعالمية(
الإمبريالية ).
وتعبر نتيجة انتخابات نوفمبر 2006م عن:
نفاذ صبر الأمريكيين على سياسات "
المحافظين الجدد" ، وإستياءهم من هذه
السياسات ، وتطلعهم لتغييرها ... على يد "
الديمقراطيين" , الخصوم التقليديين لـ
"الجمهوريين" ، بصفة عامة ، ولجناحهم
المتطرف هذا ، على وجه الخصوص.
****
وكما هو معروف ، كانت نتيجة انتخابات 7
نوفمبر 2006م قد أسفرت عن مايلي:-
|
|
جمهوري |
ديمقراطي |
مستقل |
المجموع |
|
- مجلس النواب |
201 |
231 |
3 |
435 |
|
- مجلس الشيوخ |
49 |
51 |
- |
100 |
وقد سر العالم – بصفة عامة- من هذه
النتيجة ... ولكن معظمه مازال يتطلع لتنفس
الصعداء ... إعتباراً من بداية نوفمبر
2008م ، عندما يقوم الشعب الأمريكي (
أيضاً ) بتغيير واحدة من أسوأ ( إن لم
تكن الأسوأ ) " الإدارات" ( السلطة
التنفيذية ) التي مرت على أمريكا –
والعالم – خلال كل تاريخها.

(
11 )
أبرز ملامح سياسات الـ " فاشيون الجدد"
...؟!
(1-2)
أ.د. صدقه يحيى فاضــــل
أستطاع محافظو الولايات المتحدة الحاليين
، متمثلين في أعضاء وقادة "الحزب
الجمهوري" – الهيمنة على مقاليد السياسة
الأمريكية – داخلياً وخارجياً – لعقود عدة
، في النصف الثاني من القرن العشرين ،
وصولاً لبداية القرن الواحد والعشرين.
وذلك لأسباب عدة ، منها : الضعف ( النسبي
) الذي أصاب مناوئيهم ، من الليبراليين –
والمنتمي أغلبهم للحزب الديمقراطي –
وإنتشار الاعتقاد العام ، في الوسط
الأمريكي ، بأن: " الأسلوب الأمريكي" هو
الأسمى والأفضل ، في التاريخ الإنساني ...
ذلك الإعتقاد الذي قوي بعد إنهيار الإتحاد
السوفيتي والمعسكر الشرقي ، في العام
1991م.
ومن رحم هؤلاء المحافظون ، ظهر "محافظون"
أكثر تشدداً في إعتقادهم ، وتوجهاتهم (
اليمينية ) السياسية ، لدرجة التطرف ...
وأطلق عليهم مسمى "المحافظون الجدد "- كما
هو معروف. وقد وصل هؤلاء إلى سدة السلطة
التنفيذية ، في الولايات المتحدة ، بطريقة
"سينمائية ". إذ لعبت " الصدفة " دوراً
نادراً لصالحهم. وإحتلوا البيت الأبيض ،
إبتداءاً من 20 يناير 2001م ... وبزعامة
"رئيس" لا يملك من عناصر الزعامة شيئاً
... بل يتصف – إلى جانب تطرفه السياسي
والديني – بضعف عام في الشخصية، وجهل مريع
بشؤون السياسة والحياة ... معظمه ناتج عن
درجة متدنية – كما يبدو – في الذكاء.
****
هذا أتاح فرصة نادرة لطاقم المساعدين
وجوقة المستشارين ( المتطرفين ) لأن
يفعلوا – بإسم الرئيس ، وأمريكا – ما
يشاءون ، ويتخذوا من السياسات ما يحلو لهم
، ويتلاءم وأهواءهم ،ومسلماتهم المفزعة.
إنهم أصوليون في اعتقاداتهم الدينية ,
والمسيحية – الصهيونية ... لهذا ،
أصبحوا خير عون لغلاة الصهيونية ، وإرهابي
إسرائيل ... وهم مغالون في التوجه
الرأسمالي ( الإمبريالي ) ... لذلك ،
ينزلون الكثير من الأضرار بالطبقات الوسطى
والدنيا ، داخل أمريكا ، ويقدمون لكثير من
" المصالح الخاصة " – المرتبطة أصلاً بهم
– خدمات كبرى , داخلياً وخارجياً.
وقد ساعدتهم أحداث الحادي عشر من سبتمبر
2001م ، كي يضعوا برنامجهم السياسي الرهيب
موضع التنفيذ الفوري والمتسارع. قال
احدهم , وهو دونالد رامسفيلد , وزير
الدفاع السابق , أن : " الهجوم على
نيويورك وواشنطن كان هدية قيمة من السماء
" ؟! اى أن توجههم السياسي – المفزع –
كان سيسود حتماً ، وكما كانوا يخططون
ويصرحون , حتى لو لم تحصل تلك الأحداث ،
التي سرعت فقط بتنفيذ سياساتهم , أو بعضها
.
****
والآن ، وبعد أكثر من ست سنوات على تحكم
هذه الجوقة في القوة العظمى المنفردة ، في
عالم اليوم ، فإن العالم يعيش مرحلة ،
لعلها من أتعس أيامه. فلقد ملأ هؤلاء
الدنيا ظلماً وإرهاباً ، وأساءوا إلى
القريب والبعيد ... متذرعين بـ "حجج" ،
تثير – هي الأخرى – الكثير من الرعب
والازدراء – حتى لدى "حلفاء " أمريكا
نفسها. وتلك حقيقة أضحت لا تحتاج إلى
مزيد من الإثباتات والتوثيق.
وقياساً على "رتم" وحركة السياسة الخارجية
الأمريكية المعتادة ، والتي شهدها العالم
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام
1945م ، وحتى مجيء هؤلاء الغلاة إلى البيت
الأبيض ، تلاحظ عدة " تغييرات " جذرية –
ومروعة – في الخطوط العامة ( التقليدية )
للسياسة الخارجية الأمريكية ... ويلاحظ أن
هذه التغييرات تسيء إلى آخرين ، وتؤلب
ملايين البشر ضد أمريكا ... لما تسببه من
أذى ... دون أن تفيد المصلحة العليا
العامة للشعب الأمريكي ، بل وتضر – في
المحصلة النهائية – بتلك المصلحة.
ولعل أبرز تلك " التغييرات " ( التي تعكس
توجه هؤلاء ) هي:
الإعتقاد المتشدد بأن " الأسلوب "
الأمريكي التقليدي في الحياة هو الأسمى
والأفضل. وترتيب نتائج ومسلمات –
يعتبرونها قاطعة – على هذا الإعتقاد ،
منها: الإيمان بـ " سمو " المصلحة
الأمريكية – كما يرونها هم – على كل ما
عداها – بما في ذلك القوانين والأعراف
الدولية والإنسانية الراسخة.
صحيح ، إن إعتبار المصلحة العليا
الأمريكية بأنها فوق معظم الإعتبارات
القانونية والأخلاقية والدينية ، يعتبر
مبدءاً ثابتاً ، منذ قيام الدولة
الأمريكية. ولكن المبالغة العمياء في
التمسك بهذا المبدأ ، من قبل المحافظين
الجدد ، هي الأمر اللافت. فهؤلاء لا
يقبلون أي تحفظ تجاه ما يعتبرونه هم
المصلحة العامة ، ويتبرمون من أي ملاحظة ،
توجه بهذا الشأن ... بل يحسبونها جرماً لا
يغتفر ... رغم عنكبوتية " المبررات " التي
يقدمونها ... دعماً لما يعتبرونه مصالح
وطنية عليا. وهم " يخونَّون" من يثير
تساؤلات عن تلك المصالح.
ولاشك ، أن هذا الإعتقاد ( أو
الأيديولوجية ) يعكس شعوراً – مبالغاً فيه
– بالإستعلاء والإستكبار ... يثير حنق
الكثيرين ضد أمريكا. والأمثلة على عدم
إكتراث هؤلاء بالقوانين والأعراف الدولية
والإنسانية ، ولجوءهم إلى الكذب والخداع
– لتمرير سياساتهم العدوانية – أكثر من أن
تحصى . ولعل عدوانهم على العراق هو أوضح
هذه الأمثلة ... فالعدوان لم يكن له أي
مبرر منطقي ... وتم رغماً عن المعارضة
الدولية الساحقة له .

( 11 )
أبرز ملامح سياسات الـ " فاشيون الجدد "
...؟!
(2-2)
أ. د. صدقه
يحيى فاضــــــل
يبدو أن أهم عناصر العقيدة السياسية
لهذا الجناح المتطرف من "الحزب الجمهوري"
الأمريكي ، والذي عرف بـ "المحافظين
الجدد" هو مبالغتهم العمياء في الاعتقاد
بأن " الأسلوب الأمريكي" في الحياة هو
الأسمى والأفضل ... وترتيب نتائج ومسلمات
– عنصرية – على هذا الإعتقاد. وبالإضافة
إلى ذلك ، فإن ملامح أخرى ( مميزة ) تتصف
بها عقيدتهم السياسية ، وتنعكس في
سياساتهم تجاه الآخرين. ويمكن تلخيص هذه
الملامح في النقاط التالية:
1 – تفضيل إستخدام القوة المسلحة ،
بمناسبة وغير مناسبة ... لتحقيق ما يصفونه
بـ " المصلحة الأمريكية " ... ومعروف ، أن
"وسائل" تحقيق أهداف السياسة الخارجية لأي
بلد ، هي : الدبلوماسية ، الأدوات
الإقتصادية ، الأدوات الإعلامية والنفسية
، ثم القوات المسلحة. ويبدو أن هؤلاء
يقدمون " القوة " المسلحة على بقية ما
عداها من "وسائل" ... وربما يعود ذلك إلى:
إرتباط معظمهم بما يسمى ، في أمريكا ، بـ
" لوبي التحالف الصناعي – العسكري "
المعروف. وهم يشنون الحروب بأعذار مختلفة
... منها: الهجوم الإستباقي ، أو الوقائي
... ضد ما يعتبرونه – زوراً في الغالب –
تهديد لمصالح أمريكية ؟! كما يرد هذا
الميل إلى النفسية المتغطرسة والمضطربة
المعروفة للـ " كاوبوي" الأمريكي
القديم , الذي يشبههم بعض الأوربيين به.
2 – المغالاة في التأكيد على مايسمى بـ "
إقتصاد السوق" ، والرأسمالية المطلقة ...
وتقليص ( أو وقف ) مساعدات الحكومة
الأمريكية للمحتاجين من أبناء شعبها ، في
الوقت الذي تتم فيه محاباة للطبقات الغنية
... عبر: تخفيف العبء الضريبي عن تلك
الطبقات ... التي يأتي أغلب هؤلاء منها.
ويتضمن ذلك: ضرب مبدأ " التكافل
الاجتماعي" بعرض الحائط. كما يلاحظ أن
هؤلاء " يفرغون" الديمقراطية – في كثير من
الأحيان والظروف – من أهم مضامينها ، وهي
: الحرية والعدالة والمساواة – سواء
إعتبرت هذه مبادئ مستقلة ، أو مضامين ...
تحمل بها العربة الديمقراطية. بل إن هؤلاء
يحجبون – في بعض الأحوال – حتى حرية إبداء
الرأي ... وهي عنصر أساس في الحكم
التمثيلي. فهم، في الواقع ، شبه معاديين
للديمقراطية الحقيقية ... وسلوكياتهم
النمطية تجعلهم أقرب لـ " الفاشية " و "
التوتاليتارية". وكما سبق واشرنا , فان
أدق صفة يجب أن يوسموا بها هي " الفاشيون
الجدد" ، بدلاً من " المحافظين الجدد".
****
3 – إعطاء أنفسهم حق " التدخل" في الشئون
الداخلية لأي بلد في العالم. فالقوانين
الأمريكية – كما يفسرونها هم ، من وقت
لآخر – هي " المرجعية " ... التي على "
كل" العالم إتباعها ... ومن يخرج عنها فهو
" مارق" ... يستحق أن تنهال عليه ( وعلى
شعبه ) الصواريخ والقنابل ، من أحدث وأفتك
الأنواع . حيث تجرب على بلاده آخر ما
إستحدثته الصناعة الحربية الأمريكية من
أسلحة القتل و الدمار.
4 – إزدواجية المعايير والتقلب والتناقض:
وكل الدنيا تعرف ما تقترفه الإدارة
اليمينية الأمريكية مما يندرج ضمن هذه
الأسس ... والتي تعني: عدم الثبات على
موقف محدد ، وترك كل موقف ليمليه الظرف
... أو الظروف , وحسب الهوى الفاشي
المتعجرف. فما هو " صحيح" اليوم قد يكون "
خطأ" غداً .... وماهو إلتزام رسمي مؤكد
صباحاً ، قد يمسي حبراً على ورق. وغير
ذلك من صنوف الغدر والخداع والكذب و "
فبركة" الإتهامات ، مما أصبح معروفاً ،
على مستوى العالم.
****
5 – إيمان هؤلاء بالأهداف الصهيونية
الكبرى: ذلك الإيمان النابع من اعتقادهم
بجزئية ( جدلية ) في الدين المسيحي الحق.
الأمر الذي جعلهم صهاينة أكثر من "
الليكوديين" ... يتفانون في خدمة الحلم
الصهيوني الرهيب... دونما إعتبار لما ينتج
عن ذلك الدعم المجنون من جرائم وكوارث....
تلحق بأناس أبرياء ، يعدون بالملايين (
الشعب الفلسطيني ).
6 – الكذب: يعتبر هؤلاء " الكذب" والتلفيق
والإفتراء " وسائل" مشروعة لتحقيق
أهدافهم ، وغايات سياساتهم. فهم لا
يتورعون عن إختلاق الأكاذيب والقصص
المضللة ... لتأييد ما ينوون عمله. وقد
شهد العالم فصولاً مخزية من الأكاذيب
الخطيرة ... التي روجها هؤلاء ، ورددتها
الأبواق ( الإعلامية ) المؤيدة لهم.
لكل هذه الاعتبارات ، وبسبب هذه "
التغييرات" في السياسة الخارجية الأمريكية
التقليدية ، فإن هؤلاء – الفاشيون – ليسوا
خطراً على الأمتين العربية والإسلامية ،
وبقية العالم ، وحسب ، بل وعلى الأمة
الأمريكية أيضاً. وهذا أمر تقره نسبة
كبيرة من الأمريكيين العقلاء.
صحيح ، إن أي دولة ذات حكومة ديمقراطية
مؤسساتية ، في عالم اليوم ( حال الولايات
المتحدة الأمريكية ) غالباً ما تكون لها
سياسات داخلية وخارجية ... ثابتة المبادئ
، ودائمة الأسس – نسبياً. بحيث إن تغير
أشخاص السلطات الثلاث , والأحزاب
المتعاقبة على هذه السلطات ، لا يغير –
كثيراً – في مضمون سياسات الدولة ، في
المديين القصير والمتوسط – على الأقل.
ورغم ذلك ، فإن تغير " الأشخاص" و "
الأحزاب " والشيع المختلفة ، يؤثر –
بالإيجاب والسلب – في سير سياسات الدولة –
فكراً وسلوكاً ، وإن كان ذلك التأثير
محدوداً ، في حالات الحكومات الديمقراطية.
إذ تظل للأشخاص والأحزاب بصماتها (
الإيجابية والسلبية – بمختلف المعايير )
... ويرصد المراقبون لمساتهم ( المختلفة
عن غيرها ) .... و المنعكسة في مضمون
السياسات المعنية. وهذا ما لوحظ – وسجل –
خلال هيمنة " المحافظين الجدد" على السلطة
الأمريكية ، في السنوات السبع الماضية.
ويظل المحرك الأول لسياسات الدول -
بالطبع - هو " المصلحة" .... التي لا
تتغير – كثيراً – حتى في المدى الطويل.
وغالباً ما يتركز الاختلاف في " الوسائل"
، أما " أهداف " السياسات فتبقى شبه
ثابتة..... خاصة في الديمقراطيات الراسخة
...

حال العالم (1991م – الآن ): تشخيص عام
...؟!
ا . د. صدقه يحيى فاضــــــل
منذ إنهيار المعسكر الماركسي السوفيتي
السابق ، أغرق العالم في بحر من
الرأسمالية ( وخاصة المطلقة ) ... وهي
المذهب الاقتصادي الذي يعتبره الغرب
البديل الأفضل لـ " الماركسية " /
الاشتراكية ، وخاصة السوفيتية. وبعد
حوالي خمسة عشر سنة ، من هذا السقوط
المريع ، يثار الآن – في صحافة الغرب ,
وغيره – تساؤل هام ، مفاده : هل العالم
اليوم ، أفضل ( إجتماعياً وأمنياً
وإقتصادياً وسياسياً ) عن ذي قبل ؟!.
وبمعنى آخر: ما مدى فعالية هذا الحل
الرأسمالي ( وخاصة في صورته المتطرفة )
وما يتبعه , في التخفيف من : شدة ووطأة "
العناء الإنساني" ؟! وما مدى مساهمة ذلك
الحل ، في تخفيف قسوة " الكبد " ، الذي
تعاني منه البشرية ، كشيء طبيعي ، ناتج عن
طبيعة " الحياة " ذاتها؟!
****
يبدو أن الجواب الموضوعي ، الذي يقوله
معظم المعنيين المتابعين ، والذي يشير
إليه الواقع الفعلي ، العالمي والدولي (
والذي تؤكده بعض وسائل الأبحاث والثقافة
والإعلام الغربية ) هو: أن العالم ليس
بأحسن ، من ذي قبل ... إن لم يكن أسوأ مما
كان عليه ، منذ خمسة عشر سنة خلت.
فسياسياً ، مازالت مبادئ الحرية والعدالة
والمساواة ، بعيدة عن متناول كثير من شعوب
الأرض ، ومازالت الكثير من الصراعات دون
حل منطقي ... بل إن هناك صراعات كثيرة ،
نشأت ، وتفاقمت ، بسبب الظروف " الجديدة
" . كما إشتعلت حروباً عرقية واستعمارية
، لا حصر لها... ومازالت بعض شعوب العالم
( وفي مقدمتها : الشعب العربي الفلسطيني )
محرومة من " حق تقرير المصير" ... وغير
ذلك ، من المآسي المعروفة ، والمألوفة في
الوقت الحاضر.
أما إقتصادياً ، فقد إزداد الفقراء فقراً
، على فقرهم .. وإزداد أكثر الأغنياء غناً
وتخمة , وسطوة ... وإرتفعت مديونية كثير
من دول العالم النامي ، وتدنت درجة نموها
الإقتصادي ، وكثرت المجاعات ، وزاد معدل
البطالة ، وتفاقمت المشاكل ، الناجمة عن:
إزدياد الفقر ، وتصاعد معدلات البطالة ،
في كثير من دول العالم النامي ، بخاصة .
وشهد العالم ، منذ العام 1991م ، إرتفاعاً
مرعباً ، في نسب التضخم ، ومستويات الغلاء
والأسعار , وفروق العملات ...الخ .
****
وإجتماعياً ، تأثرت الكثير من القيم "
الطيبة" ، بالسلب ، وطغت المادة على
العلاقات الإجتماعية ، وتدهور مستوى الصحة
، وإنتشرت بعض الأوبئة والأمراض المهلكة
، وكثر النفاق الإجتماعي ، والتكالب على
المظاهر الفارغة ، وزادت مظاهر " تقليد
الأغنياء" ... وتصاعد الإقبال على تعاطي
المخدرات ,... إلخ.
أما أمنياً ، فمازالت أسلحة الدمار الشامل
تهدد البشرية كلها ، بالفناء ... وما طفقت
مصانع الأسلحة تتبارى في إنتاج الأسلحة
الجديدة والمطورة ، والفتاكة ، وتزيد من
درجة فعاليتها ، في القتل والدمار ، يوماً
بعد يوم . وازداد تجار الحروب سطوة وشراهة
. وإنتشرت الجريمة ، والجريمة المنظمة
... وتصاعدت ظاهرة " الإرهاب" ، وإرهاب
الدول , بشكل لم يسبق له مثيلاً من
قبل....
****
يعايش الناس هذه التطورات ، في الوقت الذي
تحاصرهم فيه مظاهر " الإستهلاك الشره" ،
من كل جانب ...إذ زادت ( مثلاً )
الإعلانات عن البضائع والخدمات
المختلفة... وتصاعدت درجة توفر تلك
البضائع والخدمات. ولاشك أن الخاوية
جيوبهم لن يستطيعوا عمل أكثر من قراءة تلك
الإعلانات ، والتأمل في تصميماتها ،
المبتكرة ... وربما شراء شيء من المرطبات
، والأطعمة السريعة ، فقط.
هذه الدعايات الكثيفة ، إذاً ، وضعت لجذب
القادرين ... وعددهم أصبح في تناقص مستمر
، في كثير من دول العالم ، وخاصة النامي.
وتواصل ترويج الكثير من الشعارات البراقة
... الصادرة من المستفيدين من هذه
التغيرات ، هذه المرة. ونكمل هذا الحديث
في المقال القادم , بإذن الله . حيث نذكر
أهم أسباب هذا الواقع العالمي.... وعندما
تعرف " الأسباب " يعرف " العلاج "

حال العالم الراهن : ابرز الأسباب ....؟!
صدقه يحيى فاضـــــل
ذكرنا , في المقال السابق لهذا , أن
وضع العالم الاقتصادي – السياسي منذ
انهيار المعسكر السوفييتي , سنة 1991م ,
وحتى الآن , ومنذ تحول النظام العالمي إلى
نظام القطبية الأحادية , وتربع الولايات
المتحدة , التي توصف بأنها زعيمة العالم
الراسمالى " الحر " , على قمة
النظام العالمي , كقطب وحيد – حتى إشعار
آخر – هو وضع غير مرض . بل أن العالم
أصبح منذ 1991م حتى الآن في أوضاع
اقتصادية وسياسية أسوا من ذي قبل . ثم
ذكرنا , وبشكل عابر , بعض أهم شواهد هذا
التدهور .
وقد ساهمت بعض سياسات الولايات المتحدة ,
والتطرف الراسمالى الغربي – كما سنوضح -
في نشوء هذه الأوضاع البائسة . ومع ذلك
، يجب أن لا نلوم الرأسمالية ( وخاصة
المطلقة ) في كل ما حصل بالعالم ، من
تدهور سياسي واقتصادي وأمنى , و في مستوى
الرفاه الإجتماعي ، في كثير من دول العالم
النامي. كما يجب أن لا نغمط الرأسماليين
حقهم ، في ما تم على أيديهم ، من بعض
الإنجازات التقنية والعلمية والإقتصادية
الكبرى . ومع ذلك ، لا يمكن القول بأن:
العالم بات " أفضل" ، من ذي قبل ... بعد
تسيد الرأسمالية ( وما يتعلق بها ) في هذه
المرحلة ، التي إن أحسنَّا الظن بها ،
فلابد من القول أنها لم تتمكن
( حتى الآن ) من التخفيف من وطأة متاعب
ومشاكل إنسان العالم الحاضر .
وهذا ما يؤكد تفوق ( وفضل) الحل القائم
على " التوسط" والاعتدال ( لا ضرر ولا
ضرار ) والمؤكد على مصلحة الجماعة أولاً
... وهو الحل الذي يدعو الإسلام الحقيقي
إليه . وليت العالم كله يجرب هذا الحل
... بعد أن عانى الكثير ، على يد المذاهب
المتطرفة في تحمسها ، إما للجماعة ( على
حساب الفرد ) ، أو للفرد ( على حساب
الجماعة )...
****
ولاشك أن هذا الوضع العالمي البائس
يعود إلى عدة أسباب , لعل من أهمها : سوء
سياسات القطب المهيمن على مقاليد العلاقات
الدولية الراهنة , التي يسود فيها الآن
- وحتى إشعار آخر – نظام القطب الواحد
.... وهو – في الوقت الحاضر – الولايات
المتحدة .... التي توصف- كما قلنا -
بأنها زعيمة العالم الراسمالى "
الحر " ؟!
ويؤخذ على هذه السياسات اتسامها
بالانتهازية و بالامبريالية ....
المتمثلة في الرغبة الجامحة في السيطرة
على العالم ( بكل الطرق , المشروعة وغيرها
) وادعاءها حماية مبادئ : الحرية والعدالة
والمساواة والديمقراطية , في الوقت الذي
تقف فيه – بالفعل – ضد هذه المبادئ . هذا
, إضافة إلى تحالفها مع الحركة الصهيونية
العنصرية , ولجوؤها ( وحلفاءها )
المستمر لازدواجية المعايير , وإشعال
الفتن و الحروب . و الحروب .
وكل ذلك ينم عن توجه امريكى مفرط في
الأنانية .... ولا يكترث – بقدر مناسب –
بأمن وسلام العالم الحقيقيين , ويتجاهل
مصالح غيره , بل ويستفز هذا الغير .....
الأمر الذي يسيء حتى إلى المصالح
الأمريكية العليا , في المدى الطويل ,
ويؤكد عدم قدرة أمريكا على " قيادة "
العالم في اتجاه الأمن والسلم الحقيقيين ,
واتجاه التنمية الايجابية المستدامة ,
التي الإنسانية في أمس الحاجة لها .
ومن غير الإنصاف , بالطبع , أن نرد
هذا الوضع الاقتصادي – السياسي العالمي
التعس إلى بعض السياسات الأمريكية فقط
. فهناك " أسباب " أخرى .... من أهمها :
الانفجار السكاني العالمي .... وعدم كفاية
الموارد الطبيعية الراهنة , في العالم ,
لمقابلة هذه الزيادة الهائلة في السكان ,
وخاصة في بلاد العالم النامية . أضف إلى
ذلك : سوء الإدارة , والفساد ... الذي
استشرى في اغلب العالم , وبقدر لم يعهده
العالم من قبل .

العالم ... بعد عقد ونصف من تسيد
الرأسمالية المطلقة... ؟!
د. صدقه يحيى فاضـــــل
لم يأسف معظم الناس ، حول العالم ،
عندما انهار التطبيق السوفيتي للماركسية ،
في شرق أوروبا ، وفي ما كان يعرف بـ
" الإتحاد السوفيتي" , في عام
1991م ، وفي أجزاء أخرى من الأرض. وقد سقط
ذلك التطبيق – وإنهارت "الشيوعية"
المنسوبة إليه – نتيجة لعدة عوامل ، أهمها
: كون الإدارة العليا لذلك التطبيق:
ديكتاتورية ، من الناحيتين الإقتصادية
والسياسية. هذا, بالإضافة إلى " خيالية"
الفكرة الماركسية , وحرب " الغرب " (
الراسمالى ) الضروس ضدها .
أما "الإشتراكية" ، وبخاصة " الإشتراكية
الديمقراطية " ، فمازالت باقية ... وبعض
أنصارها يحكمون – الآن – دولاً كثيرة ،
منها بعض دول العالم الغربي. ويندر أن
يوجد برلمان في العالم ، لا يضم عدداً
كبيراً ، من النواب " الإشتراكيين " ... (
الحزب الديمقراطي الأمريكي – مثلاً – هو –
في الواقع – حزب شبه إشتراكي, وكذلك " حزب
العمال" البريطاني )...
وأكثر من هلل لإنهيار التطبيق السوفيتي لـ
" الماركسية" ، كان – بالطبع –
الرأسماليون ، في كل مكان ، وخاصة في
العالم الغربي . ولم يكتف هؤلاء
بالتهليل وإعلان الإبتهاج ، لغروب التطبيق
السوفيتي للماركسية ، بل أخذوا ، منذ ذلك
الحين ، يتغنون بكل ما يمت بصلة
للرأسمالية ... ويبشرون العالم بميلاد عهد
جديد ... ( أسماه بعضهم : " النظام
العالمي الجديد , القائم على الازدهار
واحترام القانون " ؟! ).
حاول أولئك ( ومازالوا ) إقناع البشرية
بأن: " الرأسمالية ( غير المقيدة ) ... هي
الطريق" ... ولم يقف الأمر عند ذلك الحد ،
بل أن غلاة الرأسمالية كانوا – ومازالوا –
يحاولون " فرض" الحل الرأسمالي ( المتطرف
في رأسماليته ) على كل العالم ... ناسين
– أو متناسين – أن الرأسمالية المطلقة (
الخالية من الضوابط والقيود اللازمة )
ليست بأفضل – كثيراً- من غيرها ، من
المذاهب الوضعية. وقد شهد مفكرو الغرب ،
قبل غيرهم ، بذلك.ك.ك. ، بذلك.ك.ك.
وإنبرى عتاة هذا الإتجاه لإقناع العالم
بأن أهم وسائل الرأسمالية ( وهي: "
الخصخصة " ) هي شيء لابد منه ، إن كان
المطلوب هو: " الرفاه" و " التقدم "
... لذا ، إجتاحت العالم موجة محمومة ، من
الخصخصة ، التي لم يكن لكثير منها من مبرر
سوى: مجاراة القوى , و تضخيم " ثروة"
أساطين المال , والنفوذ ... ورفع درجة
إحكامهم ، وسيطرتهم ، على إقتصاد (
وسياسة ) شعوبهم.
****
والآن ، وبعد إنهيار النموذج السوفيتي
( الماركسي ) عقب فشله الذريع ... لابد (
مع تذكر المآسي المفجعة التي جلبتها
الماركسية السوفيتية ، لشعوب عديدة ، على
مدار أكثر من نصف قرن ) من التساؤل عن :
ماذا إستفاد العالم ، من البديل اللاحق ؟!
هل الأمن والسلام الدوليين أكثر
إستتباباً ، من ذي قبل ؟! هل خفت حدة
حلقة " الفقر – الجهل – المرض " في
العالم, أو في معظمه ؟! وبمعنى آخر: هل
العالم أفضل – إجتماعياً وأمنياً
وإقتصادياً وسياسياً – في ظل سيادة المذهب
الرأسمالي وأنصاره ، وخاصة بشقه المتطرف
والجامد ؟!
وللعلم , فان اغلب المراقبين المنصفين
المعاصرين , للنظام العالمي ( الاقتصادي
– السياسي ) الراهن , والمعايشين له ,
لديهم إجابات سلبية ( في معظمها ) على
هذه التساؤلات . فمنذ حوالي العقد والنصف
, لم يشهد العالم تطورا عالميا مبهجا يذكر
, بل تضاعفت معاناته , وزاد كبده ,
وتفاقمت أعبائه .
ومن ابرز الأمثلة على ذلك : تدهور دور
منظمة " الأمم المتحدة " في استتباب الأمن
والسلم والرفاه العالمي , وتحول هذه
المنظمة إلى أداة لتنفيذ سياسات دولية
ظالمة وقاهرة . ومع ذلك , لنجتهد في
إستقراء واقع العالم ، في هذه الفترة ،
لنعرف – بصفة جد عامة – بعض تفاصيل هذا
الجواب ، سواء من هذا الواقع العالمي
ذاته ، أو ممن يمكن إعتبارهم " مراجع "
... من المفكرين المعبرين عن أحواله ,
والمتحدثين بآماله وآلامه . وليكن ذلك
في المقال القادم.

جامعة الدول العربية :
أخيرا...اتفاقية لتنفيذ
الالتزامات...؟!
د. صدقه يحيى فاضــــل
منذ أن إقتربت الحرب الكونية الثانية
من وضع أوزارها ، في عام 1945م ، نشط بعض
قادة وزعماء ومثقفي الأمة العربية ، في
المجال الإتحادي – العربي , وكثف هؤلاء
جهودهم... محاولين أن يخرج العالم العربي
من مرحلة الحرب العالمية الثانية وهو على
درجة ( معقولة ) من التضامن ,
والإتحاد ( ولا نقول الوحدة )... لقد
أحس أولئك الآباء المؤسسون بمسئولية عظيمة
... تتجسد في : ضرورة ، بل حتمية ، أن
يكون العالم العربي حراً ، ومستقلاً ،
ومتحداً ، ومتقدماً ... ليدخل عصر ما بعد
الحرب العالمية الثانية وهو مؤهل ...
لمواجهة التحديات ، التي بدأت – ومازالت –
تواجهه ، بشكل مقبول ، وفعال... بإعتبار
إمكانات وموارد العالم العربي ( مجتمعاً
).
ولم يكتف أولئك بالإحساس ، والتعبير عن
العواطف ، بل "عملوا " على بلورة صيغة ،
قابلة للقبول ( آنئذ ) للإتحاد العربي
المنشود ... وإجتهدوا ... فكانت " جامعة
الدول العربية " ، التي ولدت بتاريخ
8/4/1364هـ ، الموافق 22/ 3/ 1945م ،
لتصبح (الآن) أقدم المنظمات الدولية
الحكومية الإقليمية الشاملة ، في
العالم...؟!
ويبدو أن أولئك المخلصون ، كانوا
يريدون لميثاق 1945م ( الذي تجسد في:
إتحاد " كونفدرالي" هش ومحدود ، عرف باسم
"جامعة الدول العربية" ) أن يكون "
مرحلياً " ... أي خطوة تضامنية أولى ...
نحو: الإتحاد الأوثق ، المأمول. ولكن
الأبناء - أو لنقل الأجيال اللاحقة ,
لجيل 1945م – خيبت آمال أولئك الآباء ،
حتى الوقت الحاضر ، على الأقل . إذ لم
يعقب تلك الخطوة الأولى ، خطوات كبيرة ،
أخرى ، منذ أكثر من ستين عاماً خلت...
ومع ذلك ، يجب أن لا نلوم الأجيال اللاحقة
هذه فقط ... فالإستعمار العالمي (
المتحالف مع الصهيونية ) ، كان ( ومازال )
غاضباً ، حتى من تبلور تلك " الخطوة
الأولى" , وعقد آمال عليها... وكان (
ومازال ) يعمل على عرقلة كل من يريد السير
خطوات أخرى ، في طريق الإتحاد العربي
المطلوب... وما زال له ما يريد .
وقد أبرمت الدول الأعضاء بالجامعة
العربية مؤخراً ( عام 2005م ) ما سمى بـ
" النظام الأساسي لهيئة متابعة القرارات
والإلتزامات ، الصادرة عن جامعة الدول
العربية ". وصدر هذا النظام بعد أن
تزايد إستياء حكومات وشعوب الدول العربية
من التخاذل في تنفيذ ما يتم الإتفاق عليه
، من قبل بعض أعضاء الجامعة العربية ، من
قرارات وسياسات. ذلك القصور الناتج عن
عدم جدية بعض الدول العربية لتنفيذ ما يتم
التوافق عليه ، وعدم وجود " آلية " ...
يجري بموجبها تنفيذ الإلتزامات المتخذة ،
من قبل الأعضاء.
وقد طال ل ; وقد طال ل إنتظار صدور هذه " الآلية "
... التي لها أهمية بالغة ، في الوفاء بما
يتم إتخاذه من قرارات ، وما يتم تبنيه من
سياسات. فمنذ قيام جامعة الدول العربية
وصدور ميثاقها ، كان واضحاً أن هناك "
قوانين أساسية " كثيرة يجب أن تصدر لاحقا
، ويتم الاتفاق عليها، بين الأعضاء ،
لوضع مبادئ ونصوص الميثاق موضع التنفيذ
..... وفي مقدمة هذه النظم : نظام يضمن
عبره تنفيذ القرارات ، ومتابعة وضعها في
أرض الواقع ... حتى تتحقق الأهداف القومية
العربية العليا , من أعمال ونشاط جامعة
الدول العربية ... التي أنشأت لتوثيق عرى
التضامن العربي ، ودعم وتقوية التعاون بين
الدول العربية ، في كل المجالات ... بما
يخدم المصلحة العربية العليا، وينافح عن
القضايا العربية ، في شتى المحافل . بل أن
" الميثاق " نفسه كان – وما زال – في أمس
الحاجة للمراجعة , والتعديل – كما يجمع كل
الدارسين .
وهاهو نظام متابعة تنفيذ القرارات
والالتزامات الصادرة عن جامعة الدول
العربية ، يصدر ... لدعم هذه الأهداف
المشار إليها. وصدوره ، وتبنيه ، يعتبر –
بالتالي – خطوة إيجابية في طريق دعم العمل
العربي المشترك ، والتضامن العربي المأمول
, إذا تم بالفعل تفعيله , ولم يلق نفس
مصير اتفاقات كثيرة تمت فيما بين الدول
الأعضاء بالجامعة . وقد تلازم صدور هذا
النظام ( تقريبا ) مع صدور أنظمة أساسية
هامة أخرى , وهى : نظام مجلس السلم
والأمن العربي , نظام التصويت المعدل ,
نظام البرلمان العربي الانتقالي . الانتقالي . الانتقالي . الانتقالي .
ويرى كثير من المراقبين العرب أن صدور
هذه الأنظمة لن يفيد كثيرا ما لم يعدل
ميثاق جامعة الدول العربية نفسه .... بما
يتواكب وتطورات العصر , ويسد الحد
الأدنى ( على الأقل ) من الحاجة العربية
الملحة للتعاون والتضامن والاتحاد .
فترميم بيت خرب ومتهالك , بدلا من إعادة
بنائه , قد لا يكون فكرة سديدة . بل أن
البعض من هؤلاء المراقبين يربط بين ما
يعتقد أنه " ضرورتين متداخلتين " , هما (
في رأى هؤلاء ) : الإصلاح في بعض الدول
العربية , وإعادة صياغة ميثاق الجامعة
العربية . وسنتحدث عن : مبدأ التضامن
العربي ( بصرف النظر عن ما يتعرض
له من سوء فهم وتطبيق ) ونظام متابعة
تنفيذ القرارات , في المقال القادم ,
بإذن الله .

نظام تنفيذ الالتزامات بالجامعة
العربية ...؟!
د . صدقه يحيى فاضــــل يى فاضــــل
بدون تطويل , وضمن ما يسمح به
هذا الحيز , يمكننا القول : أن لا عربي
ومسلم عاقل ونزيه يرفض مبدأ " التضامن
العربي " الفعلي .... عطفا على ما يربط
بين البلاد العربية من روابط ووشائج , لا
مثيل لقوتها بين اى مجموعة من دول العالم
الحالية , وما يواجه البلاد العربية من
تحديات كبرى , على كل الصعد . تلك هي
فكرة من ذهب .... وسوء فهم أو تطبيق اى
مبدأ ( أو فكرة ) لا يعنى ( بالضرورة )
فساد تلك الفكرة . ومعروف أن أفرادا
وجماعات عدة معينة أساءت لهذا المبدأ ,
واستخدمته لتحقيق مصالح خاصة رخيصة . ومن
غير المنطقي – بالتالي – أن يلصق بهذا
المبدأ ما نتج عن سوء فهمه والتلاعب في
تطبيقه . لقد أجمعت غالبية الباحثين في
هذا الشأن على : أهمية إقامة تضامن عربي
فعال , يرتبط بتضامن فعلى مع الأمة
الإسلامية , كإطار أوسع لنهضة عربية شاملة
.
و تجسد التعاون العربي ( حتى الآن
) في ما يعرف بـ " جامعة الدول العربية "
. وما زالت هذه الجامعة تطور نفسها ,
ولكن بسرعة سلحفائية مشهودة . وقد اعتمد
مجلس جامعة الدول العربية (على المستوى
الوزاري ، المنعقد بتاريخ 8/9/2005م )
هذا النظام ، بناء على تفويض المجلس
الوزاري ( وزراء الخارجية العرب ) على
مستوى القمة. ولم ينص قرار مجلس الجامعة
العربية ، ولا النظام الأساسي لهيئة
متابعة تنفيذ القرارات والالتزامات , على
الحاجة إلى تصديق الدول الأعضاء على
النظام ، حتى يدخل إلى حيز التنفيذ ...
باعتبار أن " تنفيذ " القرارات المتخذة
هو أمر ملزم لمن إتخذها. فالقرار يتخذ
لينفذ.
وهذه الهيئة المرتقبة تعتبر جزءاً
لا يتجزأ من أجهزة جامعة الدول العربية .
وبذلك ، لا يُعتبر الاتفاق على إقامتها
إتفاقاً خارج إطار جامعة الدول العربية.
ورغم كل ذلك ، فإن قيام الهيئة , التي
ينص عليها هذا النظام , هو عبارة عن : "
إضافة " جديدة لأجهزة جامعة الدول
العربية... تطلب إيجادها : ضرورة " تنفيذ
" الأعضاء للقرارات والسياسات التي إتفقوا
على الالتزام بها. فما فائدة القرارات ،
إن لم تنفذ؟!.!.
******
وهذا النظام مكون من خمس عشر مادة
... من أهم ما تنص عليه : توضيح وتحديد
أن هيئة متابعة تنفيذ القرارات العربية
تتكون من ممثلين للدول الأعضاء, وهى "
الترويكا " الخاصة بمجلس الجامعة ( دول
رئاسة القمة : الحالية والسابقة واللاحقة
) وممثلين عن الدول أعضاء " الترويكا"
الخاصة بمجلس الجامعة على المستوى الوزاري
، بمشاركة أمين الجامعة العربية. ويتولى
" رئاسة " الهيئة وزير خارجية دولة رئاسة
القمة.
وتقوم " الأمانة العامة" لجامعة الدول
العربية بتقديم تقرير حول مدى تنفيذ
القرارات إلى الهيئة ... وهناك – بالطبع
- تحديد لـ" الإجراءات " التي تقوم بها
هذه " الهيئة " حيال عدم الالتزام
بالقرارات , و توضيح لدور مجلس الجامعة في
هذا الشأن. بالإضافة إلى تحديد "
الإجراءات " التي يمكن لمجلس الجامعة ,على
مستوى القمة , إعتمادها ، إزاء الدولة
المخلة بالتزاماتها.... مع مراعاة "
التدرج" في الإجراءات والتدابير العقابية
, المنصوص عليها في الاتفاق .
****
; ;
نعم , منذ إنشاء جامعة الدول
العربية ،حتى الآن , وهي تعاني من ضعف
التزام بعض أعضائها بما يتم الاتفاق عليه
من سياسات ، وما يتخذ من قرارات – إن اتخذ
. لذلك ، كان "عدم الالتزام" هذا –
ومازال- أحد أهم العقبات التي تواجه العمل
العربي المشترك ... وتضعف التضامن العربي
المأمول. فكم من القرارات إتخذ – واتفق
عليه – ولكنه لم ير النور في الواقع ،
بسبب عدم أو ضعف الالتزام من قبل بعض
أعضاء الجامعة.
لذا ، كان استحداث " آلية " لضمان
الالتزام بالقرارات والالتزامات الصادرة
عن جامعة الدول العربية – ومازال – أمراً
حيوياً ، ومطلبا إستراتيجيا ملحا ...
لضمان تحقيق ولو الحد الأدنى من التضامن
العربي – العمل العربي المشترك – بما يحقق
الأهداف العربية العليا.... ويخدم القضايا
العربية العادلة. ويجيء هذا "
النظام" ليسد ثغرة كبيرة ... كانت موجودة
في الإطار القانوني للتعاون العربي
الشامل.ل.
والمهم الآن أن يطبق هذا " النظام " (
وغيره ) ... ثم يُراجع بشكل دوري – مرة كل
خمس سنوات مثلاً – للنظر في مدى صلابته
وشموله ، وإيجابيته ، عند سريانه. ومن
ثم ، تُقترح التعديلات التي يرى المعنيون
ضرورة إدخالها عليه ، من حين لآخر ...
لضمان فاعليته ومساهمته ( الفعلية ) في
دعم العمل العربي المشترك ، لما فيه
الصالح العربي العام... فألاهم هو العمل
للحيلولة دون تحوله إلى نظام روتيني (
كمعظم الاتفاقات البينية العربية ) ... لا
يحقق الهدف السامي من تبنيه.... ومع كل
ذلك , لابد من الإشارة إلى أن : إقامة اى
بناء على أساس هش غالبا ما لا يعود بمردود
ايجابي . وذلك أمر قد ينسف ( مع الأسف
) اى تفاؤل في هذا الصدد .

حج مبرور.... وتدبر لن يبور....؟!!
أ.د. صدقة يحي فاضل
لاشك أن أنظار كل المسلمين ، في شتى أرجاء
العالم ، تتجه ــ في هذه الأيام المباركة ــ
إلى بلادنا ، وبالذات إلى : الأراضي المقدسة ،
في هذه الديار العزيزة والغالية ــ على كل
عربي ومسلم .... فهي موطن الحرمين الشريفين ،
ومهوى أفئدة المسلمين ... على مدار الساعة ،
وليس فقط في الأيام البيض الكريمة. وتؤدى في
هذه الأوقات الجليلة فريضة الحج ... الركن
الخامس ، من أركان الدين الإسلامي الحنيف. وقد
أتى المسلمون من شتى بقاع الأرض ، ومن كل فج
عميق ... ليشهدوا منافع لهم ... وليطوفوا
بالبيت العتيق .... في ثرى مكة المكرمة الطاهر
، وليصلوا في مسجد الرسول الأمين ، في المدينة
المنورة ، ويسلموا على المصطفى تسليماً.
ولاشك ، أن أداء فريضة الحج يتضمن : تحمل
شيئاً من مشاق السفر، وعناء الإقامة في غير
مسقط الرأس .... ويتطلب القيام بشعائر هذه
العبادة ، من تبتل ودعاء وإفاضة وغيره ، وسط
جموع حاشدة ، وزحام شديد ، ربما لم يعتده أغلب
حجاج البيت من قبل. فمحدودية المكان ، وقيود
الزمان تضفي شيئاً من المشقة على أداء هذه
الشعيرة ــ مهما توفرت سبل الرفاه والسعة
لضيوف الرحمن.
والواقع ، أن حكومة المملكة بقيادة خادم
الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين ، تبذل
قصارى جهدها لتوفير الأمن والراحة والطمأنينة
التي تساعد الحاج على القيام بهذه الشعيرة
المقدسة ، بأقصى قدر ممكن من اليسر والسهولة.
الأمر الذي جعل حج هذه الأيام من أسهل منالاً
وأيسر أداءاً. ويبدأ إهتمام حكومة المملكة بحج
كل عام فور إنتهاء موسم الحج الراهن. فتبذل
الجهود الهائلة وتنفق الأموال الطائله ...
لجعل حج كل عام أيسر من الذي قبله. إن الحجيج
يحلون ــ بالفعل ــ أهلاً ، وينزلون سهلاً....
* * *
والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة. لذلك ،
يمنع الرفث والفسوق... بل حتى لغو الكلام ،
ناهيك عن إثارة الفوضى والبلبلة، والفتن. ورغم
ذلك ، فإن الحج هو " مؤتمر سنوي إسلامي عام
"... يجب أن يستغله مثقفي الأمة الإسلامية ،
وقادة الرأي الممثل لنبض الشارع العربي
والإسلامي لمناقشة حال الأمة... وما هي فيه من
محن ، وتوضيح " مسببات " ذلك الواقع ، ومن ثم
وضع " الحلول " العملية المناسبة ، ووصف
البلسم الناجع. إن الأمة عندما تجرح أو تمرض ،
فإن خير من يكاليها هم الصفوة المثقفة من
أبناءها الشرفاء والمخلصين. ولكن هذا ينبغي أن
يتم ( في الحج ) عبر قنوات ومنابر محددة ،
ومنظمة ، وبهدوء وموضوعية... وبما لا يفسد
للحج الصحيح قضية.
ويتم حج هذا العام ( 1422هـ ) والأمة في غم
عظيم ، وخطر جسيم... ربما لم تتعرض لمثل قسوته
من قبل. فهي ضعيفة ومتهالكة ، وتواجه عدواناً
صارخاً ، يشنه أعداءها التقليديون... على كل
الصعد ، وفي معظم أرجاء المعمورة. إن هذا
الخطر داهم... وسبل مواجهته ، وإتقاء أغلب
شروره معروفة... فهل ستنجو الأمة هذه المرة ؟!
هذا ما نأمله ، ونتمناه...
وكفانا خطباً وهياجاً ، وكلاماً رناناً....
يدور في هذا الفلك أو ذاك ، ثم ينتهي بتكريس
الواقع المؤلم. الضعف جاثم ، والخطب رهيب
وقائم ، وحان وقت التصدي ، قبل فوات الأوان ،
وتفاقم البؤس ، وإتساع رقعة الكرب.
* * *
ولا جدال ، إن إزدياد التمسك بالشريعة
الإسلامية الغراء والصحيحة هو الغاية الكبرى ،
والوسيلة الأكبر... للسعادة في الدارين. ولكن
ومع التمسك بالشريعة ، والعض عليها بالنواجذ ،
لابد من الأخذ بـ" الأسباب " العمليه للنهوض ،
ومواجهة التحديات المعاصرة. إن " أسباب"
النهوض ، والقوة والرفعة والتقدم ، معروفة
وموصوفة... ويتبقى على عقلاء العرب والمسلمين
أن يأخذوا بهذه الأسباب بالفعل... وما نيل
النجاة بالتمني... وما حفظ الكرامة بالتغني.
ولعل من أهم عناصر هذه الأسباب هي وحدة الصف
والكلمة ، والتفاني في خدمة الصالح " العام "
المشترك.... ومن ثم إتخاذ موقف موحد تجاه
المعتدين ، والتمسك بذلك الموقف ، والمسارعة
بتفعيله... ولو ــ على أضعف الإيمان ــ في
هيئة " مقاطعة " كاملة وشاملة للذين ظلموا.
قال سبحانه وتعالى (( ولا تجادلوا أهل الكتاب
إلا بالتي هي أحسن،إلا الذين ظلموا منهم،
وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل
إليكم،وإلهنا وإلهكم واحد،ونحن له مسلمون )) (
الآية 46، سورة العنكبوت ).
نسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين... وأن
ينتشل غالبية الموحدين مما هم فيه من تخلف وذل
مهين ، وأن يتقبل من الحجيج نسكهم ، وأن يكون
العام القادم أطيب لهذه الأمة ، من عامهم
الحزين هذا ، وأن تكونوا بخير كل عام.

" إدارة خداع شامل " ...؟!
د . صدقه يحيى فاضـــــل
يعتقد أن غالبية الشعوب العربية تقدر
الولايات المتحدة الأمريكية , كدولة ,
وحضارة , وشعب راق , وتقدر انجازات شعبها
الحضارية المعروفة . ولكن هذه الشعوب
تتحفظ – كثيرا – على سياسات أمريكا
الخارجية , وخاصة السياسات الأمريكية
الأخيرة تجاه المنطقة العربية . فالمشكلة
بين هذه الشعوب وأمريكا تتركز على سياسة
أمريكا نحو المنطقة , ومواقف الحكومات
الأمريكية المتعاقبة تجاهها .
و لا احد ينكر أن أمريكا دولة عظمى ...
لها " مصالح " في شتى بقاع الأرض , وفيها
شعب من أطيب وأرقى الشعوب . ورسميا , لابد
من التعامل مع من يحكم أمريكا بما تقتضيه
المجاملة الدولية , وتحتمه المصالح
المشتركة , وبصرف النظر عن سياساته
وتوجهاته . كما أن أمريكا ليس طرفا , أو
شيئا واحدا . إن فيها ( مثلا ) من يتعاطف
مع قضايا العرب أكثر من تعاطف العرب فيما
بينهم . لهذا , فان الخلافات ( السياسية )
مع هذه الدولة يجب أن تؤخذ في هذا الإطار
. ولكن هذه الخلافات السياسية بين الشعوب
وأميركا أفسدت ( بالفعل ) كما يبدو ,
للود قضايا , كما تشير كثير من
الاستفتاءات الأخيرة.....
ولم تغضب هذه الشعوب من الحكومات
الأمريكية السابقة بقدر ما استاءت وحنقت
على الحكومة الأمريكية الحالية , التي
يصفها البعض بأنها : إدارة تدمير وخداع
شامل , بالنسبة للعرب , ولغيرهم . وذلك
بسبب ما اتخذته هذه الإدارة من قرارات
وسياسات تجاه هذه المنطقة ... أصلها
الخداع , وعاقبتها التدمير . وما زال
الناس في هذه المنطقة يدعون الله بان
تنتهي فترة هذه الإدارة قبل أن تتسبب في
كوارث جديدة ... تلحق بالمنطقة المزيد من
الخراب والأذى .
****
ولنأخذ " العراق" الجريح فقط ، للتدليل
على ما ذكر، باعتبار أن هذا القطر العزيز
المثال الأوضح على هذه السياسات العدوانية
والامبريالية الخرقاء. فبعد دخوله بأيام
إلى البيت الأبيض ، بدا هذا الفريق في
التحضير لغزو واحتلال هذا البلد ( بشهادة
وزير المالية الأمريكي السابق " أونيل" –
في حكومة بوش الابن) . فبدءوا باختلاق ،
وتلفيق " ذرائع " سخيفة ...واستغلوا
أحداث 11 سبتمبر ، ليقولوا : أن سبب
عدوانهم على العراق هو: نزع أسلحة دماره
الشامل..." المهددة للأمن والاستقرار
الأمريكيين والعالميين" , ومعاقبة العراق
على صلته بتنظيم " القاعدة "...؟!
وبعد غزو واحتلال العراق، رغم المعارضة
الساحقة لغالبية دول وشعوب العالم، بما
فيه معظم شعوب الأطلسي، ثبت للعالم أجمع
عدم صحة الذريعتين معاً، وبشكل قاطع.
فاخترعوا " ذريعة " ثالثة، هي : إزاحة
الديكتاتور صدام حسين ، ونشر الديمقراطية
بالعراق...؟! ولكن سرعان ما تهاوت هذه
الذريعة هي الأخرى، مع محاولات أمريكا "
تنصيب" حكومة عميلة لها في العراق، وبعد
ترسيخ التواجد العسكري الأمريكي بالعراق ،
وبناء عدة قواعد عسكرية أمريكية دائمة ,
في أرض هذا البلد المنكوب... وبعد نهب قدر
كبير من نفط العراق والاستيلاء على
مقدراته.
ثم كيف كان للعالم أن يصدق تلك الذريعة ,
التي استحدثت فور ثبوت كذب الذريعتين
الأوليين، وفي ظل ما يجرى على أرض العراق
من تدمير شامل للإنسان والأرض، وكل ما
عليها. من ذلك : قتل وإرهاب المدنيين
العزل، وإدخال آلاف من عملاء " الموساد"
الحاقدين..... وكانت مهمة هؤلاء هي:
مطاردة وقتل علماء العراق، وخاصة في
المجال الفيزيائي والنووي. وقتل "
الموساد " , بالتعاون مع الأمريكيين
(المحررين) أكثر من ألفى عالم عراقي،
ظلماً وعدواناً . ولقد استباحوا كل شيء في
العراق... بما في ذلك آثاره ووثائقه.
إنها – في رأي الأسوياء- جريمة كبرى... لا
يمكن تبريرها بأي حال ، أو ذريعة ...
ناهيك عن ثبوت كذب وخداع وبطلان كل
الذرائع المعلنة.
****
لو صدقت إدارة بوش شعبها والعالم ، لقالت
: أنها غزت العراق واحتلته ودمرته، لعدة
أسباب مبيتة ، أهمها:-
- السيطرة على موارد العراق النفطية ،
تسهيلاً للهيمنة الأمريكية على العالم،
عبر التحكم في مصادر الطاقة الرئيسة ....
- الانطلاق من العراق (بعد التمركز
العسكري فيه) لإعادة رسم خارطة المنطقة،
وفق الهوى الصهيوني – الاستعماري...
- تدمير مناوئ قوى للكيان الصهيوني (
دولة العراق ) وتسهيل جعل الأخير القوة
الإقليمية المسيطرة في المنطقة....
- الانتقام من العالمين العربي
والإسلامي... باعتبار صلة هذين العالمين-
غير المباشرة - بما حصل يوم 11/9/2001م
؟! إضافة إلى أسباب شخصية معروفة...
وهي أهداف متفرعة – على أي حال – عن
أهداف السياسة الأمريكية، المعروفة
والثابتة ، تجاه المنطقة , والتي لا تسال
عنها إدارة بوش فقط .

إدارة " تدمير شامل " .....؟!
أ. د. صدقه يحيى فاضــــل
عجيب، بالفعل، أمر هذه الولايات المتحدة
. لقد عاقبت احد رؤسائها السابقين
(ريتشارد نيكسون) على كذبة (صغيرة –
نسبيا) بإقالته من منصبه ، قبل أكثر من
سنتين من انتهاء فترة رئاسته الثانية، اثر
فضيحة "ووتر جيت " الشهيرة، عام 1974م.
ولكنها أعادت انتخاب أحد أكذب وافشل ساسة
القرنين العشرين والواحد والعشرين ،
رئيساً لها، وللمرة الثانية... وكأنها
تريد أن تكافئه على خداعه المستمر، وسوء
إدارته ، وتوجهه الأيديولوجي المفزع –
بإبقائه أربع سنوات أخرى، على رأس السلطة
التنفيذية للحكومة الأمريكية. ولكنه
التوجه اليميني ( المتشدد ) ذو النفوذ
الهائل , في المجتمع الامريكى المعاصر.
لقد " فاز" هذا الرئيس بانتخابات الرئاسة
لعام 2000 م بطريقة ما زالت تثير الكثير
من علامات الاستفهام ( ما حدث في ولاية
فلوريدا ). و " فاز " مرة أخرى بنفس
الأسلوب ( تقريبا ) بدليل ما تعلق بعد
أصوات ولاية " أوهايو " . ومنذ مجيئه ، مع
فريقه المؤدلج ... ذي التوجهات الصهيونية
– المسيحية المتطرفة، بدا واضحاً أن
الولايات المتحدة – والعالم – مقبلون على
أحداث جسام غير معهودة. فدعاة بناء "
الإمبراطورية " ، وبسط الهيمنة الأمريكية
على الكون , وجدوا في هذا الرئيس وفريقه
, ضالتهم المنشودة ، التي ستحقق أهدافهم
... دونما اعتبار لمدى سلامة وأخلاقية الـ
" وسائل "... وكان أن شهد العالم ,
ومنطقتنا بالذات , الماسي المعروفة .
****
وجاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 م
لتقدم لهؤلاء " ذريعة " ... ( وكأنهم
كانوا ينتظرونها بشوق ) لاتخاذ ما اتخذوه
من سياسات داخلية وخارجية فاشية , في
معظمها . وقد كان العالمان العربي
والإسلامي – وما زالا – أكثر المتضررين من
هذه السياسات ، كما هو معروف. احتلت
دولتان (أفغانستان والعراق) وقتل الآلاف
من سكانهما المدنيين وغيرهم، ودمرتا بشكل
يكاد أن يكون تاماً... بحيث أصبح العيش في
أي منهما كالعيش في جحيم من الموت والدمار
والفوضى والتخلف. فقد أعادت الصواريخ
والطائرات والدبابات الأمريكية ( وما نجم
عن الاحتلال من فوضى متعمدة , وغير
متعمدة ) العراق بخاصة إلى مرحلة
العصور الوسطى المظلمة. وبموجب الإحصاءات
الأمريكية : تم – حتى الآن- مقتل أكثر من
600 ألف عسكري عراقي ... كما قتل
الأمريكيون أكثر من 200 ألف مدني عراقي،
ناهيك عن تدمير معظم ما تبقى من بنية
تحتية في أرض الرافدين.
وجرى تشريد أكثر من ثلاثة ملايين عراقي
, داخل وخارج وطنهم . وارتكبت أبشع جرائم
القتل والاغتصاب والسرقة , ومورست كل
وسائل القهر , والإرهاب . وأشعل فتيل صراع
طائفي قد يقضى على ما تبقى من بشر وحجر .
كما انتشرت الأمراض , والفقر والعوز ,
وضرب الجهل بمعوله أجيالا من عراقيي
المستقبل , في بلد كان احد اكبر منارات
العلم والثقافة بالمنطقة .
****
أما في فلسطين المغتصبة ، فقد أطلقوا يد
الصهاينة السفاحين... ليعيثوا في ما تبقى
من فلسطين وشعبها قتلاً وتدميراً، لم يشهد
التاريخ الحديث له مثيلا. والعجيب أنهم
يتباكون على ما حصل في "دارفور" ، وغيرها
، من كوارث... سببها نزاعات عرقية محلية
؟! كما يتباكون على مقتل حوالي أربعة
آلاف جندى امريكى غاز , دون حتى ولو إشارة
بسيطة لما سببه هؤلاء للعراقيين من قتل
وتدمير . وفى ذلك وحده اهانة عنصرية ,
لا يرضاها اى حر أو شريف في هذا العالم .
هذا إضافة إلى قتل وجرح واعتقال وإرهاب
آلاف من العرب والمسلمين ، في عقر دورهم ،
وفي أي مكان يتواجدون فيه، وما يحاولون
فرضه من " تغييرات " – مفصلة
على مقاس مصالحهم المعروفة – على كل
البلاد العربية والإسلامية , تحت مسمى "
الإصلاح " . إن آخر ما يفكرون فيه هو:
إصلاح أوضاع هذه الأمة – كما ينبغي أن
يكون عليه الإصلاح. فذلك لن يصب في
جرابهم... لذا , فإن الإصلاح الذي يدعون
إليه هو إصلاح من نوع خاص جداً، بل بالغ
الخصوصية.
إن أدق ما توصف به هذه الإدارة ( من
قبل كثير من المراقبين , بما فيهم بعض
الأمريكيين ) والتي تقول أنها تحارب
انتشار أسلحة الدمار الشامل , هو أنها :
إدارة تدمير شامل , كما يشير عنوان هذا
المقال . و " إدارة خداع شامل " كما
سيشير المقال القادم , بإذن الله .

إدارة " أغضبت الغالبية
....؟!
صدقه يحيى فاضــــــل
تكثر في هذه الأيام , في أمريكا وفى
غيرها , التحليلات السياسية الهادفة إلى :
" تقويم " أداء إدارة الرئيس بوش الابن ,
بعد حوالي سبع سنوات ونصف من توليها إدارة
( حكم ) أمريكا , وقرب رحيلها ( المنتظر
بفارغ الصبر) , ومجيء إدارة جديدة . وقد
أدليت بدلو في هذه العملية , محاولا ( وفى
ما لا يزيد عن مقالين صحفيين سابقين )
تقديم تقويم مختصر ومبسط لأداء هذه
الإدارة , التي ملئت كثيرا من أجزاء
العالم رعبا وإرهابا . ولم أجد من صفات (
لوصف هذه الإدارة ) أدق من صفات " تدمير
وخداع وكذب شامل " . وعلى حد علمي , فان
أول من أسبغ عليها هذه الصفات , وغيرها (
من الصفات السلبية ) هم بعض المحللين
والزعماء والفنانين الليبراليين
الأمريكيين , ومنهم المخرج السينمائي
مايكل مور .
وهذا لا يجب أن يعنى : أن كل أخطاء
وخطايا أمريكا تسال عنها هذه الإدارة , أو
أن رحيل هذه الحكومة سيغير ( كثيرا ) من
سياسات أمريكا , الداخلية والخارجية ,
وخاصة سياستها نحو منطقتنا. ولكنه يعنى :
انه , وباعتماد معايير النجاح والفشل ( من
وجهة النظر الأمريكية بخاصة ) فان هذه
الإدارة : مازالت ( حتى الآن ) عاثرة ,
وأنزلت دمارا كبيرا بآخرين , وبأميركا ,
وتصرفت بناءا على ذرائع سخيفة , وملفقة ,
وكاذبة . كان مقالي الأول بعنوان "
إدارة تدمير شامل " , والآخر بعنوان "
إدارة خداع شامل " . ولما كان الأخير
أطول من الحيز المتاح , فقد نشر جزء منه
. وهاكم الآن الأسطر المتبقية منه , وان
بعنوان مختلف .
****; ****; ****; ****
والعجيب أن هذه الإدارة تفاخر بما فعلته ,
رغم أخطائها الفادحة , وخطاياها الفاضحة,
وما تزال مصرة بأن ما عمل كان " ضرورياً
وجيداً , لأمن وسلامة أمريكا , والعالم "
....؟! ترى ، كيف صدق الأمريكيون رئيسهم
وإدارته ، عندما قالوا لهم عكس كل ما
تكشف من الحقائق الواضحة....؟! وكيف
أقدموا على إعادة انتخابهم , رغم هذه
الأكاذيب ...؟ ! خاصة إذا أخذ في
الاعتبار ما ألحقته هذه الإدارة من تدهور
شامل في الاقتصاد الأمريكي , وما ألحقته
بسمعة أمريكا ( والغرب ) من ضرر بالغ
...؟! ولكنه التوجه اليميني الامريكى
واسع النفوذ .
وفي المناظرات التي جرت بين الرئيس بوش
ومنافسه على الرئاسة , في الفترة الثانية،
السيد جون كيري (كسب " كيري" معظم تلك
المناظرات) ردد بوش المغالطات المعروفة ،
على مرأى ومسمع من العالم. كما أبدى
أسفه على مقتل حوالي ألف جندي أمريكي
بالعراق ( حتى نهاية العام 2004م ) .
ولكنه لم يعتذر ، ولم يبد أي ندم ، على
مقتل مئات آلاف العراقيين... وما ألحقه
ببلادهم من دمار هائل .... وكان الدم
العربي رخيص، رخص دم أبقار تكساس.
****
إن حكومة " المحافظين الجدد" مثلت إدارة
دمار ، و خداع شامل ، بالنسبة للعالمين
العربي والإسلامي ، إن لم يكن للعالم أجمع
, بما فيه أمريكا نفسها ( أحصيت على
الرئيس ( مثلا )حوالي 700 كذبة , بشان غزو
واحتلال وإدارة العراق , وكذبة " حل
الدولتين " الكبرى بشان فلسطين ). و كان
من المفزع أن أعيد انتخابها. ومازال
العالم يتساءل عن مدى سلامة الانتخابات
التي تمخضت عن فوزها , ومرتين . وما زال
هذا العالم ( بصفة عامة ) يتساءل عن "
قيم" الـ 53 مليون أمريكي الذين صوتوا لها
عام 2004م ( وبعد أن أتضح موقفها )... في
ذات الوقت الذي يثمن فيه تصويت 51 مليون
أمريكي حر – بقوة – ضدها...
وفى استفتاء أجرته شبكة " سى إن إن " ,
في الشهر الفائت , اتضح أن : بوش هو اقل
رؤساء أمريكا شعبية , في التاريخ الحديث
. حيث صوت 71 % من الأمريكيين ضد سياساته
, ولكن بعد خراب مالطا. كما أن معظم
العالم يعد الآن الأيام التي تبقت لهذه
الإدارة المتصهينة , كي ترحل ... وتريحه
من أخطائها وخطاياها. فهذه الإدارة أغضبت
"الأغلبية " , في أمريكا , والغرب , وفى
معظم العالم .
و لكن الأكثر إفزاعا هو : أن يستمر هذا
التيار في السلطة ... فتخبط الحزب
الديمقراطي في تقديم " مرشح " مناسب (
قابل للانتخاب دون عوائق غير عادية )
للرئاسة القادمة , ربما يعطى " جون ماكين
" الفرصة كي يضع " المحافظين الجدد
" في مقعد القيادة أربع سنوات عجاف أخرى
...
ويبدو , عند هذا المنعطف من الانتخابات
الرئاسية الأمريكية , إن فرص " باراك
اوباما " أوفر من احتمال ترشيح " هيلارى
كلينتون " كمرشح للحزب الديمقراطي . وقد
يفوز اوباما بالرئاسة إن هو واجه ماكين ,
في نوفمبر القادم. ولكن , يبدو أن اوباما
سيحتاج إلى معجزة .... كي يستمر رئيسا
للولايات المتحدة , ويقوم بتنفيذ شعار
حملته الانتخابية , وهو : " التغيير " (
(Change على ارض الواقع الامريكى ,
والعالمي . البيئة السياسية الأمريكية
مازالت ( في رأى ) غير جاهزة لقبول ظاهرة
اوباما , وتقديم الدعم التام لأطروحاته
الرائعة .

(
132 )
مؤسسات المجتمع المدني ... في العالم
العربي ؟!
ا. د. صدقه يحيى فاضــــل
تنقسم "قطاعات" (Sectors) أي
دولة عصرية ، من الناحية الاقتصادية ، إلى
ثلاثة قطاعات ، هي : "القطاع العام" :
المملوك والمدار من قبل حكومة الدولة ،
و"القطاع الخاص" : الذي يمتلكه (ويديره)
المواطنون لحسابهم ، بمعزل عن الحكومة ،
و"القطاع المختلط" : الذي تعود ملكيته لكل
من القطاعين ، الحكومي والخاص ، وإن بنسب
متفاوتة .
أما سياسياً ، فإن الدولة الحديثة
تكون – في الغالب – عبارة عن "مؤسسات"
مختلفة . وتنقسم هذه المؤسسات (من
الناحية السياسية) إلى ثلاثة أنواع ، هي
:-
(1) – المؤسسات الرسمية (الحكومية) :
ويتصدرها أجهزة السلطات الحكومية الثلاث ،
التشريع (البرلمان) ، والتنفيذ (مجلس
الوزراء) والقضاء (المحكمة العليا) وكل ما
يتبع هذه المؤسسات من دوائر وهيئات .
(2) - المؤسسات السياسية غير الرسمية
(غير الحكومية) : وتنحصر في : الأحزاب
السياسية ، بأنواعها واتجاهاتها المختلفة
، وجماعات الضغط (المصالح) التي تسعى –
لدى الحكومة – لخدمة مصالح معينة .
ويندرج ضمن هذه الجماعات أي مؤسسة تمثل
"الرأي العام" – كلياً أو جزئياً .
( 133 )
(3) - مؤسسات "المجتمع المدني" : أو
المؤسسات الشعبية ، وهي : الجمعيات
والمؤسسات التي تنشأ – بمبادرات شعبية –
لتقديم
خدمة معينة للمنتمين إليها ، ولا يكون
هدفها الربح المادي ... مثل : الجمعيات
العلمية ، والمهنية ، والجمعيات الخيرية ،
ومؤسسات الدفاع عن حقوق الإنسان ... إلخ .
وكثير من علماء السياسة يقسمون "مؤسسات "
الدولة الحديثة – أي دولة – إلى قسمين فقط
هما : المؤسسات الحكومية (وتشمل ما ورد في
البند 1 أعلاه) ، ومؤسسات المجتمع المدني
: وتشمل كل ما ورد في البندين 2، 3 . وهذا
ما تراه غالبية علماء السياسة الأمريكيين
بخاصة .
كما تسمى هذه المؤسسات بـ"المنظمات
غير الحكومية" (NGOs). والمؤسسات الموجودة
في الدولة من هذا النوع هي منظمات غير
حكومية وطنية . كما أن هناك – كما هو
معروف – "منظمات دولية غير حكومية" دولية
...... تنحصر "العضوية" فيها في :
الجماعات والأفراد والمنظمات غير الحكومية
المختلفة ، في أكثر من دولة .
****; ****
وقيام مؤسسات المجتمع في أي بلد ،
وممارسة نشاطها ، يعد تعبيراً عن : تحرر
المواطنين من ربقة إجراءات الحكومات ،
وسطوتها وبيروقراطيتها ... وتمكين فئات
الشعب المختلفة من ممارسة خدمة مصالحها
الهامة بنفسها ، بعيداً عن التدخل الحكومي
،
( 134 )
ودعماً لمبدأ سيادة الشعب ، الذي استتب في
الواقع العالمي منذ أكثر من قرنين ، وبدأ
يرسخ ، ويزداد صلابة ، مؤخراً .
وقد أصبحت مؤسسات المجتمع المدني ،
التي تمارس نشاطها بحرية ، ودون تدخل
حكومي يذكر ، عبارة عن : الأذرع المنفذة
لمبدأ الديمقراطية ، في أرض الواقع
السياسي . وأضحت معظم الدول الديمقراطية
الحديثة تحكم (وتدار شؤونها المختلفة) في
الواقع الفعلي ، من قبل مؤسسات المجتمع
المدني فيها ، بصفة أساسية . كما أمست
هذه المؤسسات تمثل "ضرورة" حضارية حديثة ،
و"أداة" عصرية فعالة ... لتحقيق تطلعات
الشعوب نحو الحرية والعدالة والمساواة .
****
وفي عالمنا العربي ، لاشك أن تواجد
ودور مؤسسات المجتمع المدني كان – ومازال-
محدوداً ، بسبب ضعف أو غياب المبدأ
الديمقراطي ، في غالبية الدول العربية .
ومؤخراً ، بدأت تجتاح العالم العربي – مع
هبوب بعض الرياح الديمقراطية – موجة
التوسع – نوعاً ما – في إقامة مؤسسات
مجتمع مدني مختارة . وتفاءل البعض ...
ظناً منه أن هذه "الموجة" ستعني : حدوث
التحول المنتظر ، في كثير من دول العالم
العربي ، وحصول "النقلة" النوعية ، التي
طال انتظارها ، من قبل شعوب بعض هذه الدول
.
وبدأ هذا المصطلح يدخل قاموس
السياسة العربية اليومي ، ويتردد على
أسماع وأنظار الناس ، في وسائل الإعلام
العربية المختلفة . كما بدأت تعقد
المؤتمرات والمنتديات ، في داخل وخارج
( 135 )
الوطن العربي ، التي تناقش واقع مؤسسات
المجتمع المدني في العالم العربي ،
والمأمول منها مستقبلاً
****
ومن أبرز المؤتمرات التي عقدت عن
هذا الموضوع خارج العالم العربي ، هو :
منتدى دور مؤسسات المجتمع المدني العربي :
خمسة أمثله ، والذي عقد تحت رعاية "مؤسسة
هانس سيدل" (Hanns Seidel Stiftung) وهي
عبارة عن أكاديمية للعلوم السياسية
والقضايا الراهنة , وجامعة الدول العربية
، في الفترة 19-22 يونيو 2006م ، في قرية
"وايلد باد كروث" الرائعة الجمال ، وذات
الطبيعة الخلابة (بالقرب من مدينة
"ميونخ") ، وشارك فيها عدد كبير من
الأساتذة المتخصصين والخبراء العرب
والألمان . وأبرز من شارك في هذا المؤتمر
مندوبون ... يمثلون الدول العربية الخمس ،
التي أتخذت "أمثلة" ونماذج لمؤسسات
المجتمع المدني العربي ، من حيث الواقع
والمأمول ، وهي : السعودية ، مصر ، الأردن
، ليبيا ، تونس . وتكون الوفد السعودي من
أربعة أساتذة ، أرسلتهم الحكومة السعودية
، إيماناً منها بأهمية (وضرورة) مؤسسات
المجتمع المدني ، وانطلاقاً من حرص
قيادتنا الرشيدة على العمل لاستفادة هذه
البلاد من كل "الوسائل" العصرية ، التي
تسهم في خدمة الصالح العام ، وتحقيق كل ما
فيه خير للمواطنين ، وتبني لما يسهم في
ازدهارهم ورقيهم ، في إطار ثوابت المملكة
الدينية والوطنية , المعروفة .
وقد تشرف كاتب هذه السطور بالمشاركة
في وفد المملكة ، وإلقاء بحث فيه . وحظي
بحضور فعاليات هذا المنتدى ، الذي تنبع
( 136 )
أهميته – دون شك – من أهمية وحيوية موضوعه
. ولعل أهم ما خلص إليه هذا المؤتمر هو :
أن مؤسسات المجتمع المدني ، في معظم
عالمنا العربي ، مازالت تحبو ... ومازال
قيامها ، وممارسة نشاطها ، تحيط به الكثير
من القيود والمعوقات (الحكومية وغير
الحكومية) .... وما لم تسهل مهمة قيام هذه
المؤسسات ، ويحرر نشاطها من الإجراءات
المعيقة ، فإن دورها سيكون هامشياً
ومحدوداً . أي أن أهم عنصر لنجاح هذه
المؤسسات هو "الاستقلالية" ... وأن عدم
توفر هذا العنصر يلغي "مدنية" تلك
المؤسسات – ويحولها إلى مؤسسات حكومية ،
أو شبه حكومية – وينسف – بالتالي – الغرض
النبيل الذي إستحدثت هذه الوسيلة من أجل
تحقيقه ... خدمة للصالح العام للمعنيين .
ولتأكيد قناعتها بضرورة مؤسسات
المجتمع المدني ، في هذا العصر ، فإن
حكومة المملكة تعد حالياً مشروع "نظام
المؤسسات والجمعيات الأهلية" ، الذي يدرس
الآن بمجلس الشورى ، ويتوقع أن يصدر
قريباً . وهو نظام يحرص على تحقيق
التوازن الدقيق المطلوب بين
"الاستقلالية" اللازمة ، وضرورة وجود جهة
مرجعية ، تتولى مهمة الإشراف . وسيعطي –
كما تتمنى غالبية المعنيين بهذا الموضوع –
أكبر قدر ممكن من الاستقلالية لهذه
المؤسسات ..... حتى يتحقق الهدف الجليل من
قيامها . قيامها .

( 138 )
نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية ...؟!
صدقه يحيى فاضــــل
طرح , مؤخراً ، مشروع " نظام
الجمعيات والمؤسسات الأهلية " ، على
مجلس الشورى (في شهر ربيع الأول 1427هـ) .
ونوقش هذا النظام (القانون) وارتأى
المجلس الموقر تشكيل لجنة "خاصة" ومتخصصة
, لمراجعته وتنقيحه ، ومن ثم إعادة طرحه
على المجلس. وقد لقي هذا النظام اهتماما
إعلامياً سعودياً محدوداً ، وقليل جداً
من الاهتمام الأكاديمي السعودي
المتخصص... الذي لا يتناسب ـ حتى الآن ـ
مع أهمية هذا القانون ، والدور الذي يجب
أن يلعبه في حياة شعب هذا البلد الطيب ،
عندما يشرع في تطبيقه.
ونشرت عدة مقالات رصينة ، في بعض
صحفنا المحلية ، عن هذا النظام ، وأهميته
... إضافة إلى تحليل أبرز بنوده
(المقترحة). وأكد من أهتم بهذا النظام
(الحيوي ) فهمه ـ وتقديره ـ لهذا
المشروع، وما سيكون له ـ إن شاء الله ـ
من دور إيجابي في هذا البلد , وعلى كافة
الصعد .
ولا شك ، أن من التسرع الحكم على
هذا النظام وبنوده المقترحة مازالت قيد
المراجعة . فلننتظر حتى تصاغ مسودة
المشروع النهائية ، وتناقش ، ومن ثم تقر
وتصدر . وبعد ذلك ، لابد أن يكون
للمختصين والمهتمين وقفات مع مواد هذا
النظام المحورية . فالأمر يستحق الأمر يستحق الأمر يستحق الأمر يستحق
( 139 )
اهتماماً عميقاً وواسعاً . كما أن صدور
هذا النظام ، بمضمون معين ، لايعني :
نهاية المطاف وانتهاء الاجتهاد ، أو قفل
الباب أمام الجيد (والعملي ) من الآراء .
فأي نظام ـ مهما علا وسما ـ يجب أن يخضع
(ودائماً ) للمراقبة ، ومن ثم المراجعة
والتعديل ..... بما يتلاءم ومستجدات
الحياة ، المتغيرة أبداً . وان مجرد صدور
هذا النظام سيعتبر ـ على أي حال ـ
خطوة إيجابية كبرى ، في سبيل استتباب
مفهوم " المجتمع المدني " في البلاد ،
وتهيئة السبل لتطوير هذا المفهوم وتبعاته
، في النظرية والواقع .
وحتى صدور النظام - ربما بعد أشهر
من الآن ـ فإن من المستحسن ـ بالطبع ـ
إبداء المرئيات السديدة ، فيما يتعلق
بمواده ، والاهتمام بهذه المرئيات
والاحتفاء بها، وخاصة عندما تصدر من
مفكرين ... يتفانون في محبة الوطن ،
ويريدون له كل خير ، ولهم خبرات ملموسة ،
في هذا الشأن . ويحسن أن تنصب الآراء على
: ما يجب أن يكون عليه هذا النظام ... حتى
يخدم المصلحة العامة لهذه البلاد، لأقصى
مدى ممكن . ولدى اللجنة "الخاصة" المختصة
بمراجعة هذا النظام بمجلس الشورى ، برئاسة
معالي الدكتور عبدا لرحمن السويلم ، رغبة
صادقة في تجميع الملاحظات والمرئيات
المعنية ، التي تطرح في وسائل الإعلام
المختلفة ، بشأن هذا النظام ... لتتم
الاستفادة من الصالح (والعملي) منها...
كي يصدر النظام على أتم مضمون ممكن ...
لتقبل البلاد ـ بالتالي ـ على نقلة نوعية
ـ إيجابية ـ في بناءها الاجتماعي
والقانوني والسياسي .
( 140 )
******
ولا نبالغ إذا اعتبرنا هذا النظام
من أهم " الأنظمة " التي يناقشها مجلس
الشورى ، منذ نشأته ... لأنه يؤسس ( أو
هكذا يجب ) للدولة العصرية الحديثة ، التي
يتوق إليها المسؤولون والمواطنون في
بلادنا . فهذا هو عصر المجتمع المدني
ومؤسساته ... وهذه التنظيمات ستضطلع
بإدارة وتوجيه دفة الحياة العصرية ,
بالتعاون مع المؤسسات الحكومية . وتنامي
وتمكن هذه المؤسسات يجسد عهداً جديداً من
الحرية والمؤسساتية الشعبية ، وحماية حقوق
ومصالح أطياف المجتمع المختلفة . والإقدام
على هذه الخطوة هو بمثابة : تبني لأحد
أهم" وسائل " التنمية الوطنية الشاملة ،
القائمة على عنصري : توازن المصالح ،
والرضا ... المنبثق من فتح أبواب المشاركة
الشعبية في إدارة شؤون الوطن.
وسبق أن وضحت ، في مقال سابق ،
ماهية مؤسسات المجتمع المدني ، والإطار
العام الذي تتواجد فيه . وملخص ما ذكر هو
: أن الدولة الحديثة تتكون من "مؤسسات " .
وسياسياً ، تنقسم هذه المؤسسات إلى قسمين
: المؤسسات الحكومة ( أجهزة السلطات
الثلاث ) والمؤسسات غير الحكومية ( والبعض
يسميها مؤسسات المجتمع المدني ) ، وتضم
: الأحزاب السياسية وجماعات الضغط (
المصالح ) والمؤسسات والجمعيات غير
الساعية للربح . وهناك من يحصر مؤسسات
المجتمع المدني في : الجمعيات الخيرية غير
الربحية فقط . ولكن المفهوم الشامل لهذه
المؤسسات يشمل كل ما ذكر . كل ما ذكر .
( 141
)
أما من الناحية الاقتصادية ،
فإن في كل دولة ثلاثة قطاعات ( Sectors )
، هي : القطاع العام ( مهما كان حجمه )
القطاع الخاص ، القطاع المشترك .
ويحكـم تكوين ونشاط مؤسسات
المجتمع المدني , في كل الدول الحديثة ،
نظام ، أو قانون .... يحدد هذه المؤسسات
، ويقنن تكوينها ، ونشاطها... بما يحقق –
في النهاية – الهدف الإيجابي العام منها .
وقد استتب المجتمع المدني ، بمؤسساته
المختلفة ، في الدول ذات الحكومات
الديمقراطية ، وأسهم ذلك في استقرار
وازدهار تلك الدول .... التي يجب أن تكون
الأنظمة التي تحكم تكوين ونشاط مؤسسات
المجتمع المدني بها ، مصدر إلهام مرجعي
... لكل الدول الراغبة في السير في هذا
النهج .
إن مشروع " نظام الجمعيات والمؤسسات
الأهلية " , الذي نحن بصدد الحديث عنه ،
يقنن تكوين ونشاط مؤسسات المجتمع المدني
بالمملكة ، بمعناها الضيق ، والذي ينحصر
في : الجمعيات والمؤسسات غير الساعية
للربح . ومن جانبي ، أرى أن يشمل هذا
النظام أيضاً : الجمعيات التعاونية
بأنواعها . بأنواعها .
إن المؤسسات الحكومية السعودية على
وشك الاكتمال . وهي تخضع (دائماً) لعمليات
مراجعة وتطوير . كما أن المملكة ترى : إن
المصلحة العامة تقتضي حظر الأحزاب
السياسية ، وجماعات الضغط ذات الأهداف
السياسية البحتة , في هذه المرحلة – على
الأقل . أما جماعات المصالح ذات
الأهداف الاجتماعية والاقتصادية ( مثل :
الغرف
( 142 )
التجارية ، والمشيحات المهنية ) فهي
موجودة وقابلة للتزايد ، تحت مظلة هذا
النظام الجديد .
وقد تنامت , مؤخراً , حركة المجتمع
المدني بالمملكة .... وتجلي ذلك في :
تكوين العديد من الهيئات والجمعيات مثل :
جمعيات الطب والهندسة والجيولوجيا
والمحاسبة والاقتصاد والإدارة والصحفيين
والأدباء .... الخ . وكذلك الجمعيات
الخيرية وجمعية حقوق الإنسان .
نعود لمشروع " نظام الجمعيات
والمؤسسات الأهلية " , لنقول : إن على
القائمين على إعداده أن يراعوا أهم عنصر
(متطلب) فيه ، وهو : "الاستقلالية" (
النسبية ) . فهذه هي كلمة الفصل بين وجود
هذا الأمر من عدمه . ويقصد بها : أن تكون
الجمعيات والمؤسسات , التي تنشأ بموجب هذا
النظام , مستقلة ... غير خاضعة لجهة
أخرى... حتى لا تفقد الغاية من وجودها .
صحيح , لابد من وجود "جهة" مشرفة أو
منظمة ( مرجعية )... ولكن, ليقتصر عملها
على تفسير النظام والإشراف على تطبيقه ,
دون أن " تتدخل" في إدارة ونشاط هذه
المؤسسات , تدخلاً سافراً ، أو شبه سافر
. فهذا التدخل يلغي " مدنية " هذه
المنظمات , ويجعلها مؤسسات شبه رسمية...
وبذلك , ينتفي الغرض الأساس من قيام هذه
الجمعيات والمؤسسات , أصلاً .
ونختتم هذا المقال بذكر أن علماء
السياسة والتنمية الشاملة , في العالم ,
قد خلصوا للقول أن : المتطلب الأساس
لنجاح مؤسسات المجتمع المدني , في أغلب
البلاد , هو : آلية المشاركة. ففي ظل هذه. ففي ظل هذه. ففي ظل هذه
( 143 )
الآلية تزدهر هذه المؤسسات والجمعيات ،
وفي غيابها تتعثر ، أو يصبح وجودها شكلياً
.
وقال البعض من هؤلاء العلماء : أن
مؤسسات المجتمع المدني هي من أهم مكونات "
العربة " ( الدولة ) التي يجرها " حصان "
المشاركة . ثم اختلفوا بصدد : هل يوجد هذا
العنصر من "العربة" قبل "الحصان" ، أم
الحصان قبل مكونات العربة الحديثة ؟! ولكن
غالبيتهم ترى أن : وجود هذا الحصان يحي
العربة , أو يعجل في انتعاشها
واستعدادها للانطلاق . كما أن وجود
العربة بهذا العنصر , قبل الحصان , يسهل
مجيء الحصان ... والله أعلــــم ؟!

مراكز الدراســــات .....؟!
أ. د. صدقه يحيى فاضــــــــل
كثيرة هي القضايا والأمور العامة، التي
تهم (أو يجب أن تهم) الدولة – أي دولة –
وخاصة في عالم اليوم ، وعالم الغد المقبل
, عالم تفجر المعلومات ..... إذ لا توجد
الآن اى دولة في العالم ، إلا وهناك قضايا
معينة , محلية وإقليمية وعالمية رئيسة ,
تهمها – أو يجب أن تهمها... ذلك الاهتمام
أمر غالبا ما يقتضيه الحفاظ على أمنها
وسلامتها , وازدهارها . فالهدف الرئيس
لأي دولة ، هو المحافظة على بقاءها، وضمان
أمنها، وتحقيق رفاه سكانها... لأكبر قدر
متاح ، وبأفضل الوسائل الممكنة. وهذا
يتطلب عدة أمور , أهمها : امتلاك
المعلومات الحقيقية اللازمة عن الأمور
المهتم بها ....
هذا ربما يقودنا إلى الإشارة إلى سياسات
الدول... وأساس صياغتها وتنفيذها... فـ "
السياسة " يمكن تعريفها بأنها عبارة عن:
أهداف معينة، زائداً الوسائل... التي يمكن
أن تتبع، لتحقيق وحماية تلك الأهداف. إن
أهم أهداف سياسة أي دولة- سواء الداخلية
أو الخارجية – يمكن حصرها في هدفين رئيسين
هما: تحقيق المصلحة القومية (كما يحددها
مسؤلى الدولة) أولا . وثانيا : خدمة
وحماية، الإيديولوجية (العقيدة) التي
يفترض أنها تحكم سلوك الدولة (كما يحددها
– أي الأيديولوجية – المسؤلين أيضا، سواء
كان ذلك التحديد ديمقراطياً، أو
ديكتاتورياً).
ومن هذين الهدفين الرئيسين، تنبثق أهداف
سياسة الدولة – أي دولة – الداخلية
والخارجية. وانطلاقاً من هذه الحقيقة،
تبرز أمام كل دولة، قضايا ومناطق معينة
تهمها... أكثر من غيرها، من القضايا
والمناطق، التي تتعلق بمصالحها ، وعقيدتها
(سلباً وإيجابا) بشكل أو آخر ... وبقدر
أكبر من غيرها.
****
والاهتمام في حد ذاته ، لا يكفي وحده...
إذ ما فائدة "الاهتمام" إذا لم يقترن
بفعل إيجابي ، يجعل لذلك الاهتمام مردوداً
إيجابياً، على مصالح الجهة المهتمة، أو
على مصالح الدولة المهتمة... المادية
والمعنوية (أو المصلحية والعقائدية).
ولعل أهم وأول عنصر من عناصر الفعل
الإيجابي الملازم لـ "الاهتمام" ، هو
محاولة الدولة أن تعرف, بشكل منهجي , كل
ما يمكن معرفته، عن تلك القضايا ،
والمناطق , مما يفيدها في اتخاذ القرارات
المناسبة تجاه هذه القضايا ... ولا شك ،
أن كل دولة من دول العالم ، تحرص على أن
يكون لها أجهزة حكومية، تقوم بهذه
المهمة... وتزود صناع القرار فيها بما قد
يحتاجون إليه من معلومات ، عن تلك القضايا
والمناطق....
إن أجهزة " المباحث " و " الاستخبارات" ،
هي أهم تلك الأجهزة... وهي دوائر لا غنى
لأي دولة في العالم عنها.... حيث إن
أهمية هذه الأجهزة لا تقل عن أهمية أي
مرفق عام آخر، إن لم تفقها. فإذا كان من
الضروري إنشاء مؤسسات للدفاع (مثلاً) فإن
من الحتمي إقامة الجهاز الاستخباراتى ،
وتدعيمه، بما يمكنه من القيام بمهامه
الجليلة، في خدمة الدولة وشعبها والحفاظ
على كيانها وأمنها.... ولا شك أن مجال
العمل الاستخباراتي , لأي دولة، هو العالم
بأسره... مع التركيز على القضايا والمناطق
التي تهم الدولة – أي دولة – بشكل أكبر
وحسب ما يقتضيه تطور الأحداث وتنوع الظروف
والأحوال .
****; ****
هذا على المستوى الرسمي (الحكومي). أما
على المستوى غير الرسمي ، فإن الدول
المتقدمة تحرص على نشر الثقافة والمعلومات
، المتعلقة بخاصة بالقضايا، والمناطق التي
تهمها ، بين أكبر عدد ممكن من سكانها –
وخاصة المثقفين والمهنيين منهم. وهذا ما
يمكن تحقيقه عبر عدة وسائل، أهمها:
الجامعات، والمعاهد المتخصصة، ومراكز
الدراسات.....
(Research & Study Center ) .... وهي
موضوع حديثنا اليوم. فالدول الغربية
(مثلاً) تهمها جداً منطقة الخليج العربي،
وغيرها، لأسباب معروفة. لهذا ، نجد أن
مراكز الدراسات الخاصة بمنطقة الخليج
العربي تنتشر في كل هذه الدول . بعض هذه
المراكز ملحق بجامعات ومعاهد ، وبعضها
مستقل، وقائم بذاته... كمركز أكاديمي. وقس
على ذلك كثير من المناطق والقضايا، التي
تهم تلك الدول....
إن "مركز الدراسات" هو: مؤسسة تهتم بجمع
وتحليل المعلومات، بشكل عام أو جزئي ( في
كل أو بعض مجالات وجوانب الحياة ) عن قضية
، أو منطقة معينة .... بقصد تعميم فائدة
تلك المعلومات.... والاستفادة منها فيما
يخدم الصالح العام للجهة المهتمة .
وعادة ما يتكون مركز الدراسات، سواء كان
تابعاً أو مستقلاً، من مقر ومتخصصين
وخبراء. ويحتوي على: مكتبة متخصصة ، ويقوم
بدعم الأبحاث الخاصة بالقضية، أو المنطقة
، التي يتخصص فيها، ويصدر دورية ومطبوعات
متخصصة في موضوعه . كما قد يحتوي على قسم
للترجمة... ويتبنى إقامة الندوات
والمحاضرات... وربما يصل الأمر به إلى
إعطاء دورات تدريبية ... كما قد يتطور
ليمنح درجات علمية عليا، في مجاله ، إن
تحول إلى كلية – كما يحدث في بعض الحالات
القليلة .... ونكمل هذا الحديث في الأسبوع
القادم , بإذن الله .

" مراكز الدراسات " في العالم
العربي...؟!
صدقه يحيى فاضــــــل
كل دول العالم العربي ما زالت في مرحلة
النمو, والنمو البطىء , في الغالب ,
والبعض منها في مرحلة ركود ونوم , وتدهور
.... لذا، نجد المراكز العلمية فيها ,
وبخاصة مراكز الدراسات , محدودة – كماً
ونوعاً- وكأنها ترف لا داعي له. صحيح ,
لقد انتشرت مراكز الدراسات المتواضعة في
الوطن العربي مؤخرا ، ولكنها تظل قليلة
العدد، وضعيفة العدة. وربما يعود هذا إلى
عدة عوامل... منها عدم إدراك الأهمية
الكبرى لهذه المراكز...؟! خذ (مثلاً )
قضايا : التنمية , الأمن المائي
والغذائي , إسرائيل وقضية الصراع العربي–
الصهيوني. المفروض أن يقوم أكثر من مركز
دراسات، في كل دولة عربية، يختص بهذه
القضايا , وغيرها . ولكن دولاً عربية
قليلة أنشأت مراكز دراسات من هذا النوع ،
أو ذلك الاختصاص...
إن " التنمية الشاملة " , ومسالة الصراع
العربي – الصهيوني ( مثلا ) هي قضية
القضايا (أو هكذا يجب أن تكون) بالنسبة
للعالم العربي . حيث أن الغالبية الساحقة
من شعوب اغلب هذه الدول ترزح في حلقة
محكمة من ثالوث " الفقر – الجهل – المرض
" . كما أن قيام ونمو وتوسع وعربدة
إسرائيل، لم ولن يكون إلا على حساب
الحقوق والكرامة العربية , بل والتنمية
العربية الشاملة...سيما وإن الهدف الرئيس
لإسرائيل هو: إقامة دولة عظمى ( إسرائيل
الكبرى ) على مستوى المنطقة، فوق أنقاض
الحضارة العربية... فإسرائيل هي عدو بالغ
الخطورة لكل الأمة... ولن يكون هناك
مستقبل عربي طيب ، إلا بإلغاء الفكرة
الصهيونية البغيضة، أو " احتواء" إسرائيل،
في حدود معقولة.
ومع ذلك ، يجد المرء جهلاً فاضحاً، في
العالم العربي – حتى بين المتعلمين العرب
– بهذه الحقائق المرة والخطيرة.... ولذلك
أسباب عديدة، أهمها: عدم توفر المعلومات
الكافية عن " التخلف " , وعن هذا
الجرثوم الخبيث، الذي زرع عنوة في قلب
الأمة العربية . ومن أسباب ذلك الجهل
أيضا :غياب مراكز الدراسات المتخصصة ،
التي تتناول هذه القضايا الكبرى بالدراسة
المتعمقة والتوضيح، من شتى الجوانب ,
وتنشر دراساتها.
أما في المملكة , فقد حققت هذه البلاد ,
كما هو معروف , تقدماً كبيراً في مجالي
العلم والمعرفة. كما أقيمت فيها مراكز
دراسات عدة، تتخصص في قضايا وأمور تهم هذه
البلاد , و منها " مركز الدراسات
الإستراتيجية "، والذي كان يحظى برئاسة
صاحب السمو الملكي الأمير ممدوح بن
عبدالعزيز... وهو الإنسان المعروف بأدبه
وعلمه واطلاعه الواسع. وهذا المركز عبارة
عن مؤسسة بحثية حكومية شاملة ، ذات
اختصاص محدد . وهو , بذلك، يختلف عن
مراكز الدراسات غير الحكومية، والتي تهدف
إلى نشر وتعميم دراساتها ، بين المهتمين
والعامة، والتي هي محور كلامنا هنا.
وقد أصبح لدينا , في الواقع , عدة مراكز
أبحاث في مجالات الاقتصاد , والإدارة ,
والقانون , وغيرها . وما زلنا نفتقر إلى
مراكز دراسات سياسية يعتد بها . ويؤمل أن
يصرح بقيام مراكز من هذا النوع , في إطار
نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية الذي
ناقشه مجلس الشورى مؤخرا .
فما زلنا نطمع في قيام المزيد من مراكز
الدراسات المتخصصة، في بلادنا العزيزة ,
في عدة مجالات , من أهمها :-
1) الحركة الصهيونية (إسرائيل) 2)
الدول العربية.
3) الدول الإسلامية.
4) الدول
الآسيوية.
5) الدول
الأفريقية. 6)
دول الاتحاد الأوروبي.
7) روسيا وشرق أوروبا. 8)
الولايات المتحدة ...
وما إلى ذلك... كما أن هناك , كما هو
واضح , مئات المواضيع والقضايا التي تستحق
أن ينشا لكل منها مركز أو مراكز دراسات ,
والتي تنبثق من المناطق المذكورة .
****
واذكر أن بعض أساتذة قسم العلوم السياسية
بجامعة الملك عبد العزيز بجدة , وفى
مقدمتهم الإخوة : ا . د . سعود العتيبى ,
د . صادق مالكى , و د . وليد السديرى ,
يفكرون , منذ مدة , في إنشاء " مركز
دراسات البحر الأحمر " بالقسم . بحيث يهتم
بمنطقة البحر المذكور , من الجوانب
الاقتصادية والسياسية والأمنية
والاجتماعية , إضافة إلى النواحي الطبيعية
والجيولوجية . و لا أدرى , في الواقع ,
إلى أين وصلت هذه الفكرة الجيدة , والتي
يبدو أنها – إن فعلت – ستقدم خدمة معرفية
كبرى للوطن , بل ولكل المنطقة . وعلى اى
حال, أرجو أن تدرس هذه الفكرة جيدا,للتأكد
أكثر من جدواها وأن ترى النور قريبا .
كما أتمنى أن تنتشر مراكز الدراسات
المتخصصة , في المجال السياسي وفى غيره من
مجالات الحياة الواسعة , في كل أنحاء
بلادنا العزيزة .... التي تستحق أن تصبح
إحدى منارات العلم والثقافة والمعرفة ,
ليس على مستوى المنطقة وحسب , بل وعلى
مستوى هذا العالم . والمؤمل أن يعي كل
متعلم في بلادنا حقيقة الأخطار المحدقة به
, وهى كثيرة ومتشعبة... وأن تفهم تلك
الأخطار بأقصى حد من الموضوعية .... وان
يكون " الفهم " منطلقا لأفعال مناسبة ,
تقي هذه الأمة ( بإذن الله ) شرور الأيام
, وغدر الليالي , وتسهم في تقدمها
وازدهارها .

( 144 )
كل البشر سياسيون .....؟!
صدقه يحيى فاضــــــــل
من ضمن تعريفات " السياسة "
أنها : الإدارة العليا للبلاد – اى بلاد
. كما تعرف بأنها : سلوك طرف تجاه
الآخرين .... أو أنها ( بتعريفها
الشامل ) : الأهداف التي يسعى " طرف "
معين لتحقيقها , تجاه طرف آخر ,
والوسائل التي يتبعها ... لتحقيق تلك
الأهداف. فالسياسة – بصفة عامة –
هي سلوك عام ( ايجابي و/ أو سلبي )
لطرف تجاه الآخرين , من بني جنسه .
لنقف هنا قليلا عند كلمة " طرف "
( Party ) لنرى ما ذا يمكن أن تعنى .
إن هذا " الطرف " هو – في نهاية الأمر –
الإنسان .... سواء تجسد في صورته الفردية
, أو في صورة جماعية – منظمة أو غير
منظمة – دائمة أو مؤقتة ... الخ . بمعنى
: أن " الإنسان " يمكن أن يظهر في
هيئة منظمة , أو مجموعة , أو حكومة ( دولة
) .... الخ . .... الخ . .... الخ . .... الخ .
فالإنسان يمكن النظر إليه كفرد ,
أو حزب , أو جماعة ( منظمة أو غير منظمة )
أو حكومة , أو سلطة بعينها ... الخ .
وهذا ما يجعل " السياسة " من الإنسان
واليه ... فهي تبدأ بالإنسان , وتنتهي به
. إنها " سلوك " هذا المخلوق العام
تجاه الآخرين – وسواء كان هذا السلوك
طيبا أم سيئا , ايجابيا , أم سلبيا .
***** ***** *****
ويجانب الصواب من يحاول " فصل "
( أو حتى عزل ) السلوك السياسي تماما عن
السلوك العام للإنسان ككل . كما يخطئ
من يظن انه لا يتعامل بالسياسة ( بمعناها
الواسع ) على مدار الساعة .... فسواء اقر
الإنسان بذلك , أم أنكر , علم أو لم يعلم
, فانه : طالما له " سلوك " هادف
تجاه الآخرين من حوله , فان له "
سياسة " تجاه هؤلاء الآخرين , كما أن
للآخرين سياسة نحوه. وهؤلاء " الآخرين"
يمكن أن يكونوا أقارب أو أصدقاء , أو
معارف , أو مجموعات , أو منظمات , أو
حكومات ... الخ .
صحيح , لقد تم " حصر " السياسة –
في المعنى المتداول والمتخصص – في
سلوكيات حكومات الدول .... ليصبح تعريف
" السياسة " المتخصص( أو الضيق ) القول
بأنها : الأهداف التي تسعى حكومات الدول
لتحقيقها , داخل وخارج حدودها , والوسائل
التي تتبعها لتحقيق تلك الأهداف .
ولكن المعنى العام للسياسة يغطى معظم
سلوكيات الإنسان العامة . وتبعا لذلك
, فان كل إنسان , راشد وعاقل , يمارس -
بطبعه, وبالسليقة - السياسة ... طالما
كان مستيقظا , ومتعاملا مع آخرين ...
*****
( 145 )
وقد مكن تبلور واستتباب هذه
الحقيقة علماء السياسة من " تنظير " كثير
من جوانب السلوك السياسي للإنسان (
السياسي بالفطرة ) . وانطلاقا من : كون
كثير مما " يصدق " على الإنسان الفرد يصدق
( وينطبق , إلى حد كبير ) على الإنسان
المجموعة , أو التنظيم , أو المؤسسة , أو
الدولة , تم استنتاج الكثير من النظريات
العامة , ذات المصداقية المعقولة .
من ذلك : أن الإنسان ( العاقل
, الراشد ) غالبا لايتخذ قرارا لا إذا
أيقن أن مكاسبه , من اتخاذ ذلك القرار (
السلوك ) وتبنيه , تفوق ما قد يكون من
خسائر , بالنسبة له . وهذا صحيح - إلى حد
كبير- بالنسبة للسياسي , ورجل الدولة ,
أو المسؤل .... بل هو صحيح بالنسبة لاى
إنسان ( راشد عاقل ) وفى اى صورة تجسد .
بمعنى : أن " السياسي " ( المسؤل )
يجب أن لا يتخذ قرارا , إلا إذا تأكد (
تماما ) أن المكاسب التي ستتحقق ( لمن
اتخذ القرار باسمهم ولهم ) اكبر من
الخسائر , التي قد تتكبدها الجهة التي
اتخذ القرار لها , وباسمها .
*****
ولكن مهمة " السياسي "
ومسؤوليته مضاعفة أضعافا . إذ عندما
يتخذ الفرد قرارا فان ما قد يجنيه من
مكاسب ( نتيجة سلوكه / قراره ) تعود عليه
, بصفة أساسية . كما أن الخسائر , التي
قد تنجم عن ذلك السلوك , تلحق به وحده ,
أو ( في أسوا الأحوال ) تلحق به , وبمن
حوله , من أهل ومعارف .
أما السياسي ( المسؤل ) فان ما ينتج
عن قراراته ( سلوكه ) من مكاسب , تعود على
مجتمعه ( الذي غالبا ما يعد بالملايين )
. كما إن " الخسائر " تلحق بذلك المجتمع
ككل , ولا تقتصر على السياسي ( المسؤل )
متخذ القرار . لذا , كان من أهم "
خصائص " السياسي الناجح أن تكون نتيجة
قراراته ( سلوكياته ) المكاسب منها أكثر
من الخسائر . وهذا ما يوجب على السياسي
أن يحكم ( بمنتهى الدقة والمنطق والحرص )
ميزان " التكلفة / المنفعة " ( Cost /
Benefit ) أو : جردة المكسب / الخسائر .
وكل ذلك يوجب على السياسي أن يكون صادقا
وحاذقا .... يقدم المصلحة العامة على كل
ما عداها .... فلا بد أن تكون المصلحة
العامة غايته الأولى والأخيرة ... وان
يتجنب المزالق والانحرافات والأخطاء ....
كي لا يلحق أذى بآلاف , وربما ملايين ,
ممن يخدمهم .
وهناك خطا شائع آخر يتضمن : عدم
الثقة في السياسي , وإلصاق تهم الكذب
والغش بـ " السياسيين " أكثر من غيرهم .
وهذا غير صحيح على إطلاقه . ... لان
السياسي هو – في نهاية الأمر – إنسان ,
له سلوكيات ايجابية وسلبية , كغيره . أما
لماذا ينعت معظم الساسة بهذه الصفات ,
أكثر من كثير غيرهم , فلان ما قد يرتكبونه
من أخطاء وانحرافات وتجاوزات تمس نتائجها
وأضرارها الملايين .... وتنشر أخبارها
وأصداءها على الملا .... فيظهر الساسة
وكأنهم أكثر البشر كذبا وخداعا !
****
( 146 )
وقد أبدع الفكر
السياسي العالمي الوسائل و " الأساليب" ,
التي تكفل " تهذيب " سلوك الساسة ,
وإخضاعهم ( دائما ) للرقابة والمتابعة
والمحاسبة . والمجتمعات التي أخذت بهذه
الأساليب حققت التقدم والتطور والقوة
والمكنة ..... نتيجة تسخيرها لساستها
ومسؤليها لخدمة المصالح الحقيقية لهذه
المجتمعات , لا خدمة مصالح خاصة ...
غالبا ما تتعارض مع تلك المصالح العامة .
فالإنسان ( عاديا كان أم مسؤلا )
ميال للاستبداد .... وتقديم مصالحه
الخاصة , على كل ما عداها , ما لم يكن
هناك وازع , أو رادع ومحاسبة .... ولا
كابح له سوى " تنظيم " يدفعه لخدمة
المصالح العامة , أولا وأخيرا .
عسى أن يكون ما ذكر واضحا ( ومهضوما
) , وان تسهم هذه الخاطرة العابرة ( شبه
الأكاديمية ) في تصحيح بعض الأخطاء
الشائعة عن أهم شيء في حياة الناس
العامة .... ألا وهو " السياسة " ....
والتي لا ينعقد أمر ايجابي أو سلبي عام –
في الحياة العامة للناس – إلا عبرها .

أولى خطى السعي للسعادة العامة
...؟!
أ. د . صدقه يحيى فاضــــــلى فاضــــــل
سبحان الذي جعل " الإنسان" خليفة له في
الأرض , وندبه لاعمارها... وجعل هذا
الكائن سيداً على كل المخلوقات ، بما
وهبه من مزايا ... وفي مقدمتها: العقل
والنطق. يخلق المبدع المصور ملايين البشر،
على مدار الساعة ، وإلى أن يشاء (جلت
قدرته ) لعبادته , و لهذا الغرض. ومن عظيم
صنعته أن جعل كل إنسان فريداً ، في
ذاته... له شخصيته المتميزة ، عن غيره ،
مما سواه ، من بلايين البشر، وله ذاتيته
، التي يعرف بها، وإن كان وسط ملايين ، من
بني جنسه.
وكما أن لكل شخص ذاتيته المتفردة ، فإن
هناك عدداً يصعب على الحصر، من العوامل "
المشتركة " ( القواسم المشتركة ) الكبرى
، بين كل الآدميين، في الشكل وفي المضمون،
في الظاهر والباطن، في الفكر وفي السلوك
الفعلي. فكل الناس "متحدين" في الشكل
العام ، وكلهم يسعى لتحقيق السعادة... كل
حسب مفهومه ، أو تصوره لها . وكل الناس
يأكلون ويشربون وينامون... الخ، من
العوامل المشتركة ، رغم " تفرد" كل إنسان
بخصوصية، تقتصر عليه وحده.
وقد نتج عن هذه العوامل المشتركة ضرورة
الاجتماع الإنساني... فالإنسان لا يستطيع
أن يحيا – حياة طبيعية – إلا في مجتمع .
وتكوين المجتمعات أدى إلى: ضرورة تنظيم
وإدارة ( سياسة ) هذه المجتمعات... حتى لا
تعم الفوضى في البلاد , ويسود قانون الغاب
فيها . الأمر الذي يهدد بقاء " النوع "
الانسانى, ويعيق التقدم الحضاري للبشر .
ونتج عن ضرورة الاجتماع وجود " فكر
سياسي " , و" علم سياسة " فيما بعد .
وظهور الآراء المختلفة في كيفية التعامل
مع القضايا والأمور العامة ( المشتركة )
المتعلقة بالاجتماع الانسانى . وكذلك
الاجتهادات التي تنصب على أسلوب إدارة
الحياة العامة ( الدول ) .
ومن آياته أن جعل الإنسان عبارة عن " زمن
كامل" ... فالإنسان – أي إنسان- يجمع (في
ذاته) كل الأزمنة ... الماضي ، والحاضر،
والمستقبل. إن الإنسان الراهن عبارة عن :
حاضر... له ماض ، هو : آبائه وأجداده ،
وله مستقبل ، هو : أبنائه وأحفاده
وأهله... هذا إن لم نقل أن ماضي هذا
الإنسان وحاضره ومستقبله ، هو امتداد كل
بني جنسه، من الإنس. إن إنسان اليوم هو
" امتداد " لإنسان الأمس ... وإنسان الغد
هو امتداد لإنسان اليوم. وترتب على ذلك
تحميل الإنسان "مسئولية" كبرى... نحو
نفسه... في أزمنتها الثلاث، الأساسية.
وتقتضى هذه المسئولية: ضرورة قيام
الإنسان بعمل الخير ( الحق ) نحو نفسه ،
بكل أبعادها الزمنية الثلاثة , الماضي
والحاضر والمستقبل .
****
وإذا كان الهم الأول للإنسان، هو: السعي
لتحقيق أكبر قدر ممكن من السعادة ( لنفسه
الثلاثية – إن صح التعبير ) فإن هذا السعي
يصبح إيجابياً، إذا كانت السعادة المنشودة
ضمن إطار من القيم النبيلة... أي القيم
التي تحقق الصلاح والخير، في الدارين...
ولا تنزل أي ضرر ، أو ظلم ، بالآخرين.
وعلى هذا الأساس تتم صياغة " الحق" و "
الباطل" ... ويحدد كل منهما. وهذا يعني:
أن الإنسان السوي هو: الذي يدافع (
بالسليقة السليمة) عن الحق، ويسعى إليه،
ويقاوم الباطل، وينبذه ... خدمة لنفسه ،
وأجياله الماضية ، والمقبلة.
****
ولعل أشد البواطل في الدنيا هو : الشرك
بالخالق ( والعياذ بالله ), ثم الباطل
السياسي... فالباطل السياسي تنتج عنه- في
الغالب – كل البواطل الأخرى ، بأنواعها
وأصنافها المختلفة ، والمتعددة , وضرره قد
يعم ملايينا. ولهذا ، تصبح من أكبر
مسئوليات الإنسان – أي إنسان – هي: توحيد
الله , ثم مقاومة الباطل السياسي أولا ،
في حاضره ... فتلك المقاومة تنتصر لماضي
الإنسان ، وتمهد لسيادة الحق في
مستقبله...
إن عدم مقاومة الباطل السياسي هو بمثابة:
تخاذل خطير، ينعكس بالسلب على حاضر
الإنسان، بكل أبعاده، وجوانبه. كما يعتبر
خيانة للماضي ، وتمهيداً لمزيد من الباطل
، في المستقبل. أو ، بمعنى آخر: إن عدم
محاربة الباطل، في الحاضر، تدهور الأخير ،
وتشوه الماضي... وقد تجعل المستقبل
تعيساً بائساً، أو أشد تعاسة، من الحاضر.
كما أن نصرة الحق السياسي، في الحاضر، هي
وفاء لماضي الإنسان، ودعم للحق والسعادة ،
في مستقبله...
لقد حدد تطور الفكر السياسي العالمي أهم
الحقوق والبواطل السياسية , بناءا على
الغرض من وجود البشر على الأرض , واعتمادا
على الخصائص العامة المشتركة لهم. ومعظم
ما أورده ذلك الفكر ينسجم والقيم النبيلة
التي أتت بها الأديان السماوية . الأمر
الذي يسبغ على هذه القيم الاحترام
والتبجيل في كل مكان وزمان . فلقد حسم هذا
الفكر الكثير من المسائل المتعلقة
بالاجتماع البشرى , وحدد أهم المبادىء
التي يجب أن تحكم هذا الاجتماع . وعلى
الإنسان , في كل مكان , أن يعرف هذه
المبادىء , وما تستند إليه من قيم , قبل
أن ينافح عن الحق, بكل جوانبه....
فالإحاطة بهذه المبادىء والقيم , ومن ثم
نصرة الحق , أضحت واجبا على الإنسان
الراشد العاقل والسوي .... أما غير
الأسوياء فقد يعملون العكس , لأنهم غير
أسوياء , بسبب أو بآخر .

فلسـطين : قضية كل العرب الأولى....؟!
أ. د. صدقه يحيى فاضـــــــل*
فلسطين ... قلب الوطن العربي، ونقطة الوصل
الأولى بين مشرقه ومغربه... بالإضافة إلى
كونها مركز منطقة الوصل بين قارات العالم
القديم الثلاث: آسيا وأفريقيا وأوروبا .
فلسطين... إحدى درر الشرق، وأحد أعز
الأقطار العربية... البلد التي تضم " زهرة
المدائن" ، وأولى القبلتين (بالنسبة
للمسلمين) وثالث الحرمين الشريفين... أوشك
الصهاينة، القادمون من شتى بقاع الأرض،
على إكمال اغتصابها، ومصادرتها – تماماً –
والى اجل غير مسمى .
ولم يكتف الصهاينة باقتطاع هذا الجزء
الغالي، من جسد الأمة العربية والإسلامية،
بل أنهم جعلوا هذه الأرض منطلقاً... للكيد
لهذه الأمة، والهيمنة عليها، والإضرار
بمصالحها، وعقيدتها. أصبحت فلسطين – بوجود
الدولة الصهيونية فيها – قاعدة متقدمة،
لأعداء الأمة العربية والإسلامية ، وفي
عقر دار هذه الأمة . وتلك "حقائق" دامغة
... تدحض تحذلقات " المتصهينين"، من
العرب والعجم , والتي أخذت تتزايد مؤخرا,
بادعاء " السلام " الزائف .
وحسب تقسيم سايكس – بيكو (البريطاني –
الفرنسي) الحدودي للعالم العربي ، في
نهاية الحرب العالمية (الثانية) أصبح ما
يعرف بـ " فلسطين" يمتد من لبنان شمالاً
, إلى خليج العقبة جنوباً. ومن شبه جزيرة
سيناء (مصر) والبحر الأبيض المتوسط غرباً،
إلى جنوب سوريا والبحر الميت (والأردن)
شرقاً. وتبلغ مساحة فلسطين هذه كاملة
(26.323) كيلومتراً مربعاً. أي أنها مساحة
صغيرة (نسبيا) ... ولكن كل شبر فيها يعبق
بالعراقة ، ويفوح بالأهمية الخاصة....
ومنذ عام 1948م، وحتى قبيل 6 يونيو سنة
1967م ، كانت إسرائيل تحتل 20.153 كم2 ،
من فلسطين. أي ما يعادل 77% من كل مساحة
هذا القطر. وبقيت " الضفة الغربية " ,
التي تبلغ مساحتها 5800كم2 ، تحت الإدارة
الأردنية ، بينما تبلغ مساحة قطاع غزة
365كم2 ، ووضع تحت الإدارة المصرية، كما
هو معروف. وبهذا ، نرى أن مجموع مساحة
الضفة الغربية وقطاع غزة هو 6165كم2 ...
أي ما يعادل 23% فقط، من كل مساحة فلسطين.
****
ومعروف ، أن أهم " أسس" التسوية السلمية،
والمنشودة عربيا وعالميا, وحتى فلسطينيا،
هي: أن تنسحب إسرائيل من كل الأراضي التي
احتلتها عام 1967م... أي من كامل الضفة
الغربية، وقطاع غزة، ومنطقة الجولان
السورية، وشبه جزيرة سيناء المصرية، وان
تمكن الفلسطينيين من إقامة دولتهم
المستقلة , والخاصة بهم , على الضفة
والقطاع... أي على 23% فقط من مساحة
فلسطين الكلية. وهذا يعني: إعطاء "
إسرائيل" 77% من أرض فلسطين ... لتكون
عليها الدولة الصهيونية، المكونة من يهود
مهاجرين ، من شتى بقاع المعمورة.
****
ولكن الصهاينة لم يرضوا حتى بذلك.... إذ
أنهم يسعون لابتلاع كامل فلسطين ، ,
وابادة وتشريد اكبر عدد ممكن من
الفلسطينيين , والسماح لمن بقى منهم
بإقامة "محميات " متفرقة فقط ، في الضفة
والقطاع ، وحرمانهم من أن تكون لهم دولة
حقيقية خاصة بهم. بل أن خطة غلاة الصهاينة
تستهدف - كما هو معروف – " التوسع "
لأبعد من فلسطين بكثير (من النيل إلى
الفرات)...؟!
هذا، إضافة إلى الرغبة الصهيونية الجامحة
في السيطرة على كامل المنطقة العربية،
سواء عبر التوسع الجغرافي ( لما بعد
فلسطين ) أو بدون ذلك التوسع (والاكتفاء
بكامل فلسطين, أو معظمها فقط). ويسود الآن
، في الوسط السياسي الإسرائيلي توجه
استراتيجي .... ينادى باحتفاظ إسرائيل
بمنطقة الجولان السورية ، وكذلك بمعظم
الضفة الغربية (وعدم السماح بقيام دولة
فلسطينية) لأسباب أمنية ، أو " دفاعية " ،
كما يقول أنصار هذا التوجه، الذي يتزعمه
قادة حزب " الليكود" وبقية اليمين
الاسرائيلى .
ومع ذلك ، فإن كل من التوجهات
الاستراتيجية الإسرائيلية يصر على أن تفرض
إسرائيل هيمنتها ، العسكرية والاقتصادية
والسياسية، على كل المنطقة ... وبصرف
النظر عن وضع " الحدود" التي ستستقر
عليها – في النهاية – دويلة إسرائيل.
****
ولعل هذه المقدمة البسيطة تمهد لمحاولة
الإجابة على بعض التساؤلات التي يثيرها
الآن البعض عن : سبب هذا الاهتمام بفلسطين
, ومبرر جعل القضية الفلسطينية هي القضية
الأولى للأمة العربية . ورغم أن هذه
الأسباب والمبررات معروفة , وربما لا
تحتاج للمزيد من الإيضاح , إلا أننا( ومن
قبيل التذكير ) سوف نتطرق إليها في ما
يلي .
****
بعد أن أوجزنا أهم الملامح
الإستراتيجية لـ " فلسطين " .... زهرة
البلاد العربية – كما يسميها بعض العرب
المعاصرين لنكبتها - نحاول توضيح مسالة
وجوب اعتبار القضية الفلسطينية الآن هي
القضية المركزية الأولى , بالنسبة للأمة
العربية قاطبة , وبما فيها الخليجيون .
ولا بد في بدء هذا الحديث من توضيح عدة
نقاط جوهرية , بالنسبة لهذه الإجابة .
وذلك أمر ضروري .... خاصة في ظل قيام
إسرائيل , وأنصارها والمتعاونين معها ,
بخلط " أوراق " القضية , وبعثرة جزيئاتها
, وقلب تطوراتها ومفاهيمها, رأسا على عقب
. الأمر الذي أدى إلى : إثارة بعض
التساؤلات المغرضة , والساذجة , والتي
وجدت , مؤخرا , بيئة ملائمة للتواجد ,
والانتشار .
وهذه التساؤلات تحظى هذه الأيام
بأصداء واسعة , في ذكرى النكبة ( 15مايو
1948م ) .... هذه الذكرى التي احتفلت
إسرائيل بها باعتبارها " عيد استقلالها
"... ؟! ولعل أهم هذه التساؤلات هي :
لماذا يجب على العرب أن يهتموا بالقضية
الفلسطينية , معتبرين اياها قضية أولى ,
ويسعون لمساعدة الفلسطينيين لاستعادة
حقوقهم ؟!!
****
وأيضا , قبل محاولة الإجابة,
لابد من التذكير بـ" الحقائق " التالية :-
- إن سوء استخدام اى عقيدة أو
فكرة أو قضية , لا يعنى : فساد الفكرة ,
أو القضية , وبطلانها , بل يعنى :
استغلالها من قبل انتهازيين ... لتحقيق
أغراض خاصة بهم . فسوء استخدام اى فكرة
لا يعنى ( بالضرورة ) سوئها , بقدر ما
يعنى فساد من يدعى مناصرتها و المنافحة
عنها , وتحامل من يهاجمها .
- إن بكل شعب ( تقريبا ) أشراف
وخونة , أسوياء ومنحلين ....الخ . ولذلك
, يصبح من غير المنطقي وصم اى شعب بما
يفعله السفهاء منه , خاصة إذا كان هؤلاء
السفهاء ( أو العملاء ) لا يمثلون إلا قلة
ضئيلة من ذلك الشعب .
وان سلمنا بذلك , وانطلقنا منه ,
ثم طبقناه على " فلسطين " يصبح من المنطقي
التسليم بان : سوء استخدام بعض "
الزعامات " ( الفلسطينية والعربية )
لهذه القضية يجب أن لا يجرح عدالتها , أو
يقلل من أهميتها . كما أن مساهمة قلة ( لا
تذكر ) من الفلسطينيين في قيام ونمو
وعربدة إسرائيل لا تعنى : أن هذا الشعب هو
الذي فرط في حقوقه . العكس , في حالة
فلسطين , هو الصحيح . فما زال شعب
الجبارين ( أو غالبيته ) متمسكا بهذه
الحقوق , مدافعا عنها .... بدمه , وبكل
ما يملك , بما في ذلك فلذات كبده . ولو
تعرض شعب لما تعرض له هذا الشعب الباسل من
ظلم دولي , وجبروت اممى, وعدوان مبيت ,
لربما لم يصمد مثل ما صمد الشعب الفلسطيني
.... على مدار أكثر من ستين عاما .
****
و باختصار , فإننا عندما نحاول
الإجابة على التساؤل : لماذا يجب أن يهتم
العرب ( بما قيهم الخليجيون ) بالقضية
الفلسطينية , ويعملون ما بوسعهم على
استعادة إخوانهم الفلسطينيين لحقوقهم , أو
للحد الأدنى منها , ولماذا ينبغي اعتبار
هذه القضية , بالنسبة للعرب والمسلمين ,
القضية المركزية ؟! فان الجواب هو : إن
لذلك عدة مبررات قوية , وأسباب في منتهى
الصحة والوجاهة , أهمها : -
( أولا ) – كون قيام ونمو وعربدة إسرائيل
يمثل جريمة كبرى – يصفها البعض بـ "
جريمة العصر " – لان ذلك تم عبر استئصال
شعب بأكمله من أرضه , ونهب ممتلكاته ,
وتشريده , وملاحقته بالقتل والإيذاء , على
مدار الساعة . فمن الناحية الإنسانية (
على الأقل ) لا يمكن لاى إنسان سوى قبول
هذه الفعلة .... حتى وان لم تطل إخوان له
في الدين والدم . إن هذا الجرم يدفع
الخيرين , بل وحتى قساة القلوب , لبذل كل
ما يمكنهم بذله , لوقف هذا الظلم البين ,
والعدوان الغاشم , ومعاقبة مرتكبيه .
( ثانيا ) – إن الهدف الصهيوني المعلن لا
يقتصر على فلسطين وحسب , بل إن إسرائيل
تستهدف رأس العروبة والإسلام . وهى تحتل
القدس ... ثالث الحرمين الشريفين . وهي
تسعى – بإصرار عجيب , ومثابرة جلية –
إلى الهيمنة التامة على المنطقة ,
والسيطرة على مقدراتها, وتسخير إمكاناتها
لخدمة الصهاينة , عبر استعباد شعوب
المنطقة , وفرض الإرادة الصهيونية على
أجيالهم القادمة . من ذلك : وقوف الكيان
الصهيوني وراء معظم ماسي المنطقة , و سعى
إسرائيل لتمزيق وشرذمة الوطن العربي ,
وعملها على تحويل معظم دوله إلى دويلات ,
لا حول لها ولا قوة , أمام إسرائيل ,
القوة الإقليمية العظمى , الآمرة الناهية
بالمنطقة , والمدججة بكل أنواع الأسلحة
الفتاكة ؟!
( وان قيام الدولة الفلسطينية
المستقلة لا بد وان يحجم من إسرائيل ,
ويقلل من شرورها , وأضرارها , تجاه محيطها
العربي ) .
ذلك هو المشروع الصهيوني . ومن يظن
أن ذلك المخطط يقتصر على فلسطين فهو واهم
– إن لم نقل غير ذلك . وبالمناسبة , فان
معظم شعوب وأمم العالم تتعاطف مع
الفلسطينيين ... للسبب الأول , ومنها شعوب
غربية كبرى . مثال ذلك : ما تحظى به
القضية الفلسطينية من تأييد لدى الشعب
الايطالي , والشعب اليوناني , وشعب
نيكاراجوا , وشعب الهند .
****
وهناك من العرب من ينادى بان :
القضية المركزية الأولى لدى الأمة
العربية ( وباعتبار أنها امة نامية ) يجب
أن تكون " التنمية الشاملة " , في مجالات
الحياة العامة الرئيسة : الاقتصاد ,
الاجتماع , الأمن , السياسة , وفى كل
الجوانب المندرجة ضمن هذه المجالات . وتلك
مقولة صحيحة , تماما . ولكنها تقال
أحيانا ككلمة حق يراد بها باطلا . إن من
يقولونها من هذا المنطلق يتجاهلون – بخبث
– دور إسرائيل في عرقلة اى تنمية عربية ,
سواء شاملة أو جزئية . فكأننا لو تركنا
إسرائيل تواصل تنفيذ مشروعها , وتركنا
الفلسطينيين لتطحنهم الآلة العسكرية
الإسرائيلية , وتبيدهم ( وقلنا : ما
شاننا بحالهم ) ستمضى التنمية الشاملة ,
وتتحول البلاد العربية , في سنوات , إلى
دول متقدمة و قوية ومزدهرة ؟!
ذلك , بالطبع والقطع , غير صحيح .
فإسرائيل أثبتت أنها العدو الأول للتنمية
الحقيقية الشاملة في اغلب البلاد العربية
. والشواهد والأدلة على ذلك أكثر من أن
تحصى . إن الصحيح هو : إن المضي في
التنمية يقتضى الحذر من إسرائيل , ومقاومة
تدخلها , السافر والخفي , في شؤن معظم
الدول العربية .... ذلك التدخل الهادف (
أصلا ) إلى : عرقلة اى تنمية ايجابية في
هذه الدول .
****
ومعروف , أن دول مجلس التعاون الخليجي
( شعوبا وحكومات ) كانت – وما زالت – من
أكثر الدول العربية دعما للقضية
الفلسطينية , وتأييدا للحقوق المشروعة
للشعب الفلسطيني . وقد بذلت هذه البلدان
الكثير من الجهد والمال في سبيل تمكين
الشعب الفلسطيني من استعادة حقوقه في أرضه
. وعلى مدار الستين عاما الماضية ,
التزمت هذه الدول ( بصفة عامة ) بهذه
المبادئ , وتمسكت بهذه السياسة , في كل
المحافل .
وكانت هذه الدول أول من بادر بتأييد
التسوية السلمية لهذه القضية .... اى
التسوية القائمة على مبادئ وقرارات
الشرعية الدولية ( وبخاصة القرار الاممى
رقم 194لعام 1948م , و242 لعام 1967م , و
338 لعام 1973م) . وأعربت عن استعدادها
لتطبيع العلاقات مع إسرائيل , إن التزمت
الأخيرة بالانسحاب من كل الاراضى العربية
التي احتلتها عام 1967م , ومكنت الشعب
الفلسطيني من العودة , وإقامة دولته
المستقلة ( في الضفة والقطاع ) بعاصمتها
القدس الشرقية . ولكن إسرائيل ترفض – كما
هو معروف – هذه المتطلبات , وتعرقل إقامة
دولة فلسطينية مستقلة . والرفض الاسرائيلى
هذا للسلام المنشود ( عالميا ) يؤكد –
بالمناسبة - عدوانية هذا الكيان , ورغبته
في التوسع والهيمنة .
****
وقد كانت المقاطعة العربية ( وستظل )
أقوى أسلحة المقاومة العربية في مواجهة
العدوان الصهيوني . وهى أداة الضغط
العربية الرئيسة .... والتي يجب أن تستخدم
لجر إسرائيل لقبول التسوية السلمية , رغم
أن هذه التسوية تعطى الكيان الصهيوني
ثلاثة أرباع فلسطين ( كما ذكرنا ) وتخصص
الربع الباقي للفلسطينيين ؟! لذلك , تظل
هذه الورقة هي أفضل الأوراق في يد الجانب
العربي , في هذه القضية . وأمسى التفريط
في هذه الورقة تخاذلا , وتهاونا في الحقوق
العربية ..... عكس ما يقوله "
المطبعين " مجانا بان : تقاربهم مع
إسرائيل إنما " يخدم القضية الفلسطينية "
...؟!
ويؤخذ على بعض دول الخليج بعض التهاون
في استعمال هذه الورقة , ومد جسور تقارب
مع إسرائيل , رغم استمرار الصهاينة على
سياساتهم العدوانية المعتادة , وعلى مدار
الساعة . ولكن , وبصفة عامة , فان اغلب
هذه الدول , وكل شعوبها , تؤيد الحق
الفلسطيني , وتعتبر القضية الفلسطينية
قضيتها الأولى , خاصة باعتبار أن هذه
الدول جزءا لا يتجزأ من الأمة العربية
والإسلامية .... التي لها ذات النظرة تجاه
هذه القضية .
وختاما , لقد ابتليت الأمة بهذا
الإخطبوط السرطاني , وأمسى مقدرا عليها أن
تواجهه , وتقاومه , بكل الأساليب الممكنة
.... إن كانت تريد ضمان بقائها , وحفظ
أمنها , وصون كرامتها , وحماية أجيالها
المقبلة . فالمعركة مع هذا العدو
المتربص تكاد أن تكون " صفرية " النتيجة
... خاصة إن استمر الكيان الصهيوني على
سياساته العدائية المعروفة .
ــــــــــــــــــــــــــ
* عضو مجلس الشورى , المملكة العربية
السعودية , أستاذ العلوم السياسية بجامعة
الملك عبد العزيز .

" مجموعة الثماني" الكبار
والعالم .....؟!
ا. د. صدقه
يحيى فاضـــــــــــــل
تحظى اجتماعات ما يسمى بـ" مجموعة
الثمانية " باهتمام عالمي واسع ....
نظرا لكون أعضاءها اقوي وأغنى دول
العالم , وأكثرها تطورا . وقد أسست هذه
المجموعة عام 1962م , وعرفت , في البدء ,
بمجموعة الـ10 . وكان الهدف من قيامها هو
: اقتصادي – مالي بحت . إذ أنها اختصت
بالتعامل مع المسائل المتعلقة بالنظام
النقدي الدولي , وعمليات التمويل والإقراض
. وليس لها تنظيم قائم .... على شاكلة
المنظمات الدولية الأخرى . فالتعامل فيما
بين أعضائها يتم بأساليب الاتصال
الدبلوماسية التقليدية في العلاقات
الدولية. وذلك رغم أنها تحسب ( أكاديميا
) كتنظيم " اقليمى " .
وتعقد هذه المجموعة اجتماعاتها على
عدة مستويات . وابتداء من العام 1975م
أخذت تعقد اجتماعات سنوية على مستوى رؤساء
الدول والحكومات الأعضاء ( مؤتمرات
القمة ) . ويشارك في اجتماعاتها دول
وهيئات أخرى مدعوة , إضافة إلى المؤسسات
المالية الكبرى في العالم , وفى مقدمتها :
صندوق النقد الدولي .نقد الدولي .نقد الدولي .نقد الدولي .نقد الدولي .نقد الدولي .
وقد انسحب منها نصف الأعضاء المؤسسين
, وبقى الخمسة " الكبار " , وهم : أمريكا
, فرنسا , ألمانيا , بريطانيا , اليابان ,
فأصبحت تعرف بمجموعة الخمسة . وفى عام
1975 م أضيفت إلى عضويتها كل من : كندا
وايطاليا , فأصبحت تعرف بمجموعة السبعة .
وابتداء من العام 1996م بدأت المجموعة
تدعو روسيا لبعض اجتماعاتها . ثم أصبحت
الأخيرة عضوا , ابتداء من اجتماع قمة
المجموعة , الذي عقد في " دينفر " بولاية
كولورادو , عام 1997م . فهي الآن "
مجموعة الثمانية" ( G8 ) .
ويشاع أن هناك خمس دول مرشحة لان
تنال لاحقا عضوية هذه المجموعة , وهى :
الصين , البرازيل , الهند , المكسيك ,
جنوب أفريقيا , وغيرها . ولعل أهم ما
يجمع بين هذه الدول – أو معظمها – أنها :
- تميل نحو " المذهب الفردي "
.... وبخاصة في بعديه :
الاقتصادي ( الرأسمالية )
والسياسي ( الليبرالية ) .
- أكثر دول العالم تصنيعا ,
وتفوقا تقنيا .
- اغني دول العالم من حيث :
الموارد البشرية , والدخل القومي , والدخل
الفردي المتاح....الخ.
- ارتباط ست منها – باستثناء
روسيا واليابان – بمعاهدات سياسية
واقتصادية وعسكرية هامة ( حلف الناتو )
. كما أن فرنسا وألمانيا وبريطانيا
وايطاليا هم أهم أعضاء " الاتحاد الاوربى
".
****
إن ابرز اهتمامات هذه المجموعة ( شبه
المتجانسة ) هي اقتصادية بالدرجة الأولى ,
كما ذكرنا . فأساس وجودها , وهدفها الأول
كان – ومازال – حل المشاكل الناجمة عن
التمويل الدولي , وتلك التي يتعرض لها
النظام النقدي الدولي . وابرز ما يندرج
ضمن جدول أعمال قمتها السنوية هو ذو طابع
اقتصادي ومالي . ولكن هذه المجموعة –
وبحكم طبيعة أعضائها ومكانتهم الدولية ,
وباعتبار استحالة الفصل بين الاقتصاد
والسياسة - بدأت تهتم بأبرز القضايا
المحلية والإقليمية والعالمية , ذات
الطابع السياسي , وتضع سياسات مشتركة تجاه
كل مسالة ..... تظهر خطوطها العامة في "
البيان الختامي " المشترك , الذي يصدر
عقب انتهاء كل اجتماع قمة .
وقد انفض الاجتماع السنوي الأخير
لرؤساء الدول الأعضاء , الذي عقد في مدينة
" توياكو " بجزيرة " هوكايدو " باليابان
(7- 8 يوليو 2008م ) , ومن أهم ما جاء في
بيانه الختامي هو :
- الإعراب عن القلق من الزيادة
الحادة في أسعار النفط والغذاء , باعتبار
أن ذلك يمثل : " تحديا خطيرا لاستقرار
النمو في مختلف أنحاء العالم , وله
تداعيات خطيرة على البشر " ... والدعوة
لزيادة الإنتاج من النفط ....
- الاتفاق على العمل على خفض
الانبعاثات الحرارية الغازية في العالم
بمقدار النصف بحلول سنة 2050م . واعتبر
أنصار البيئة أن ذلك ما زال دون المطلوب
بكثير .
- وعد بمضاعفة مساعدات المجموعة
لإفريقيا , لمساعدتها على مكافحة الفقر
والأمراض .
- " التصميم " على مكافحة
الإرهاب .
- التعبير عن رغبة المجموعة في
حل الصراع الفلسطيني – الاسرائيلى على
أساس الدولتين .
- العمل على " استعادة السلام
والاستقرار في العراق "...؟!
- دعوة إيران , وكوريا الشمالية
أيضا , " للتخلي عن طموحاتهم النووية ".
- الدعوة لفرض مزيد من العقوبات
الاقتصادية على زيمبابوي , بسبب : " عدم
نزاهة انتخابات الرئاسة الأخيرة " ... ؟!
ومن ذلك , تتبين بعض ابرز ملامح
السياسة الدولية الراهنة – على المستويين
الاقليمى والعالمي – والتي سيفرضها هؤلاء
, بشكل أو آخر .... والتي سيكون لها –
دون شك – تأثيرات واضحة على السياسات
المحلية للدول الأقل قوة , التي قد يكون
عليها أن " تتكيف " مع هذه السياسات....
باستخدام " الوسائل " التي تعظم "
الايجابيات " , وتقلل " السلبيات " ,
لأقصى حد ممكن – بالنسبة لها .
****
ومعروف , انه , وبالتزامن مع هذا
المؤتمر , عقدت قمة مماثلة .... هي قمة "
مجموعة الثمانية النامية " ( D - 8) وهى
عبارة عن تنظيم لثمان دول إسلامية كبرى
/ نامية , لها اهتمامات ( اقتصادية )
مشابهة , وتعتقد أن التعاون فيما بينها
يمكن أن يخدم هذه الاهتمامات . وبعد ذلك
بأيام , عقدت قمة " الاتحاد من اجل
المتوسط " ... وهكذا , عشرات التكتلات "
الإقليمية " , التي تحاول جني ثمار
التعاون البيني , و" حل " المشكلات ,
الإقليمية والعالمية الكبرى . ومع ذلك ,
تظل هذه المشكلات قائمة , بل ويستمر
اغلبها في التفاقم .
****
إن التحليل المنطقي لسياسات هذه
المجموعة ( الأهداف + الوسائل ) يشير إلى
: أن هذه المجموعة ( المكونة من الدولة
العظمى الوحيدة الآن , وسبع دول كبرى )
تحاول جهدها " احتكار " قمة العالم
الاقتصادية – السياسية , ولا تفكر ( بجدية
) في تغيير العالم نحو الأفضل – رغم
قدرتها على فعل ذلك - أو المساعدة على
إدخال إصلاحات حقيقية في البناء السياسي
الكوني . ومن حق اى دولة – في واقع
العلاقات الدولية – أن تفعل ما تستطيع
فعله , مما يسمح به العرف الدولي .... و
لكن من حق الآخرين أيضا أن يبدوا رأيهم
في أفعالها , وان تكون لهم ردود أفعال ,
تحمى مصالحهم هم أيضا , خاصة عندما تتقاطع
تلك " المصالح " مع مصالحهم . فالدفاع
عن النفس حق مشروع , في كل الأعراف
والقوانين . ويبدو أن الاقتراح الذي أثير
مؤخرا , والداعي لتوسيع " عضوية "
المجموعة ....لتشمل خمس دول أخرى جديدة (
من ضمنها المملكة العربية السعودية )
ربما يغير ( إن تم تبنيه ) من توجهات
المجموعة الحالية , ويجعل سياساتها أكثر
تمثيلا وإنصافا , وحدبا على المصلحة
العامة العليا لكل العالم .
****p; ****
ودول المجموعة هي الآن – مع الصين
– أكثر دول العالم تأثيرا ونفوذا . أما "
العضوية " فيها فهي مقفلة ...؟! فلا
تتاح العضوية إلا لمن يفرض نفسه فرضا
عليها .... لينال " شرف " الشراكة ...
التي كثيرا ما تحسب نوعا من " الوجاهة "
الدولية , أكثر منها عضوية مصالح مشتركة
. بل حتى داخل هذه المجموعة نفسها ,
هناك اختلاف وتناقض ..... بل وتنافس على
زعامة المجموعة , ومن ثم العالم . وحاليا
, حسمت القوة الاقتصادية والعسكرية
الأمريكية مسالة الزعامة هذه .... باعتبار
أمريكا القطب الوحيد ( الأقوى ) المتواجد
الآن , على الساحة الدولية . لذلك , كان
من المتوقع أن نجد الصبغة الأمريكية واضحة
وجلية في معظم سياسات ( مخرجات ) هذه
المجموعة . وذلك مما يجعل الأخيرة –
كبقية المنظمات والتكتلات الدولية الكبرى
, في عالم اليوم – تحت الوصاية السياسية
الأمريكية , غير المباشرة .
لهذا , لا يجب توقع أن تصلح هذه
المجموعة ( بوضعها الراهن ) الكون , وتحل
اخطر مشاكله - ولو بما يحقق الحد الأدنى
من العدالة الدولية والإنسانية - ولا أن
تعمل شيئا يذكر لصالح العالم ( وخاصة
الفقراء فيه ) .... إن تعارض ذلك مع
مصالح القوى الجشعة المتنفذة فيها ....
والمتجسدة في جماعات " مصالح " خاصة
معروفة . فهذه المجموعة يبدو أنها تنظر
للعالم الآن من منظار امبيريالى....
بدليل أنها تناقش ابرز قضايا العالم
ومشاكله وكأنها وصى عليه .... ودون حتى
الرجوع إلى المعنيين مباشرة بهذه القضايا
و المشاكل . وينطبق هذا الاستعلاء على
معظم القضايا التي تناقشها – عادة -
مؤتمرات قمة هذه المجموعة .
****
وبتحليل سريع لبياناتها الختامية ,
الصادرة في العقد الأخير بخاصة , تتضح
الهيمنة الأمريكية على سياسات هذه
المجموعة وتوجهاتها . فما تعتبره أمريكا
حقا , كثيرا ما يكون على السبعة الآخرين
أن يعتبرونه كذلك .... وما تعتبره باطلا
, غالبا ما تعتبره كل المجموعة باطلا .
ومع ذلك , فان لبقية الأعضاء تأثيرا لا
باس به على سياسات هذه المجموعة . و
كثيرا ما تتمكن المعارضة , داخل هذه
المجموعة , من فرض رأيها .... خاصة إن
كان يحظى بتأييد الغالبية .
ونضرب مثالا على ذلك : مسالة " تغير
المناخ والاحتباس الحراري " . فقد أجمعت
" المجموعة " - في قمتها الأخيرة – على
: وجوب العمل بجدية اكبر لوقف ارتفاع درجة
حرارة الأرض , الناجم عن زيادة النشاط
التصنيعي البشرى ..... والذي ينتج عنه :
زيادة الغازات المتسببة في حصول الاحتباس
الحراري , وتصاعد سخونة هذا الكوكب ...
الأمر الذي ينذر بكوارث بيئية لاتبقى ولا
تذر . تذر .
ولكن الوفد الامريكى كان دائما
ما يضغط على البقية ... لتخفيف نص بند
مكافحة ارتفاع درجة حرارة الأرض (
الاحتباس الحراري ) .... لان الخضوع
لضوابط خفض انبعاث الكربون " قد يضر
بالاقتصاد الامريكى " , بسبب تحمل تكلفة
حمائية إضافية . ولهذا , لم توقع
الولايات المتحدة اتفاقية " كيوتو " –
بهذا الشأن - كما فعل البقية , وتعرقل
– نتيجة لذلك – هذا الإجراء البيئي
الايجابي والضروري ... رغم أن إدارة
الرئيس الامريكى السابق كلينتون كانت
متحمسة له . ولكن , اضطر الوفد
الامريكى , في اجتماع اليابان الأخير ,
تحت ضغوط من اليابان وبقية الأعضاء ,
للتخلي عن معارضته ... وقبل الالتزام
بهدف طويل الأمد لحماية مناخ الأرض ...
عبر خفض انبعاث غاز الكربون .
كما استطاع بعض الأعضاء إقناع
الوفد الامريكى بمضاعفة مساعدة
المجموعة لأفريقيا , والتأكيد على حل
الصراع العربي – الاسرائيلى على أساس
مبدأ الدولتين . لكن بعض هذه
الإجراءات قد لا تجد طريقها نحو
التنفيذ .... لتصبح مجرد " بروباجندا
" إعلامية , يروجها أقوياء العالم
.... للظهور بمظهر المهتم بحل مشاكل
البشر الرئيسة , في الوقت الذي
يعملون فيه بالفعل على تشديد قبضتهم
على اقتصادات ومقدرات هذا العالم .
****
إن الحديث عن سياسات هذه المجموعة ذو
شجون , بالفعل , وهو يجر للتطرق لمواضيع
شتى في العلاقات الدولية الحالية . إذ
يمكن اعتبار هذا الحديث مدخلا لمحاولة فهم
كثير من القضايا السياسية , الإقليمية
والعالمية , الراهنة . من تلك القضايا :
مسالتى " الإقليمية " و " العالمية " ,
ومسائل : الاستعمار , والتنمية ...الخ .
إن " المنظمة الدولية " هي : تنظيم
دائم بين أكثر من دولتين , يهدف لدعم
التعاون فيما بين أطرافه , في مجالات
محددة . وتنقسم المنظمات الدولية ( ثاني
أهم " أطراف " العلاقات الدولية , بعد
الدول ) إلى قسمين رئيسين : منظمات دولية
حكومية , وأخرى غير حكومية . وقد بلغ عدد
المنظمات الدولية غير الحكومية أكثر من
ستة آلاف منظمة , بينما يزيد عدد المنظمات
الدولية الحكومية على خمسمئة منظمة .
والمنظمات الحكومية تنقسم هي الأخرى إلى
قسمين رئيسين : منظمات إقليمية , ومنظمات
عالمية . والأخيرة تنقسم إلى : منظمات
عالمية شاملة , وأخرى متخصصة ( في مجالات
محددة ) . أما المنظمات الدولية
الحكومية الإقليمية فتنقسم إلى " منظمات
" : شاملة ( في كل المجالات ) وأخرى
متخصصة ( في مجالات محددة ) وثالثة أمنية
( أحلاف عسكرية ) . ومجموعة الثماني هي
الآن عبارة عن : منظمة دولية حكومية
متخصصة . متخصصة .
****
وإن من المؤسف حقا أن تتحول
هيمنة اغلب القوى الكبرى ( سواء تجسدت في
هيئة منظمات دولية , أو غيرها ) سلبا على
العالم ..... بسبب سياسات سيئة ... تدفع
إليها بعض جماعات المصالح الخاصة في هذه
الدول – و تنفذ باسم هذه القوى . إن
من نكد الدنيا أن تسخر تلك الجماعات
سيطرتها على صناعة القرار في دولها ...
لتحقيق أهداف لها أبعاد سلبية خطيرة على
كل العالم , بما فيه هذه القوى , في المدى
الطويل . فهذه الجماعات ( الداخلية )
تدفع لممارسة الإمبريالية , والتحالف مع
الحركات والفئات العنصرية والفاشية .....
ضاربة كل القيم الإنسانية - والغربية –
النبيلة بعرض الحائط .
ويلاحظ أن هذه القوى ( الكبرى )
تتحدث عن حلول لكثير من مشاكل العالم ,
ولكنها قل ما تنفذ ما تتحدث عنه , وما
تعتبره من خططها . هذا , بالإضافة إلى
انفراد هذه القوى بصياغة ما تعتبره حلولا
ناجعة لمشاكل هذا العالم , ودون مشاركة
حقيقية من قبل المعنيين المباشرين بهذه
القضايا والمشاكل . وغالبا ما تكون
المحصلة هي : استفادة هذه القوى ... دون
تقديم اى فوائد تذكر للعالم , ودون تقديم
خدمة حقيقية لقضية السلام والأمن الدوليين
. الأمر الذي يكرس انفراد قلة قليلة
بالهيمنة على العالم , والتحكم في
إمكاناته . ولعل مما يقلل من هذه
السلبيات هو تبنى المقترح المتضمن توسيع
عضوية هذه المجموعة , على النحو الذي سوف
نوضحه أدناه .
****
لقد بدا حتى بعض حلفاء هذه الدول
يصرحون بان : العالم الآن تديره قوى
.....لا يتوقع – في ظل هيمنتها وسياساتها
السلبية – نشر الديمقراطية الحقيقية ,
ومبادئ الحرية والعدالة والمساواة ....
ولا ينتظر ( في ظل رعونتها ,
وأنانيتها المفرطة ) التخفيف من حدة
ثالوث " الفقر – الجهل – المرض " عالميا
, أو حتى إقليميا . ولن يحظر التسلح ,
وتوقف الحروب والمؤامرات , ولن ينحسر
الظلم والطغيان من أرجاء هذا الكون .
وستبقى " الأمم المتحدة " كما هي .... "
أداة " طيعة لتحقيق بعض أهداف الأقوياء ,
ومنبر متواضع فقط ...... لمن لا منبر له
.
ويمكن ( لولا ضيق الحيز المتاح )
إيراد عدة أمثلة على ما يشوب كثير من
سياسات هذه المجوعة من سلبيات في الوقت
الحاضر ( من أبرزها : ازدواجية المعايير
, والاستغلال ... الخ ) إضافة إلى موقف
هذه الدول من قضية الاحتباس الحراري . ومن
هذه الأمثلة : موقف هذه الدول تجاه مسالة
الانتخابات الرئاسية الأخيرة ( التي
يعتقد أنها زورت ) في زيمبابوي , وما إلى
ذلك . إن تحليل موقف هذه الدول الثمان من
زيمبابوي ( وما شابه موضوعها ) يكشف
طبيعة سياسات هذه المجموعة تجاه العالم
النامي , بصفة خاصة , وما يشوب مواقفها
من تناقضات ونقائص .
وتجدر هنا الإشارة إلى التوتر شبه
الدائم في العلاقات الأمريكية – الروسية
, وما يعترى هذه العلاقات من خلافات حادة
( منها : نصب الدرع الصاروخي الامريكى في
أوروبا الشرقية , قضية كوسوفو , العلاقات
الروسية – الجيورجية ...الخ ) . هذه
الخلافات قد تسفر عن انسحاب روسيا من هذه
المجموعة , ومن ثم التقليل أكثر من مدى "
عالمية " هذا التنظيم .
****
لن يتغير العالم – نحو الأفضل –
إلا إذا تغيرت طبيعة أهداف سياسات الدول
الأقوى ( إيجابا ) .....أو ظهر قطب , أو
أقطاب أخرى ..... تسعى – بالفعل , ورغبة
في السلام الشامل – لفرض حد أدنى من
العدالة الدولية والإنسانية , في هذا
العالم المضطرب .... عبر " وسائل " ناجعة
, منها – على سبيل المثال وليس الحصر –
إجراء " إصلاح " حقيقي في منظمة " الأمم
المتحدة " ..... يكون هدفه الأكبر هو :
خير ورفاه البشرية , كل البشرية ,لا
إذلالها , وتدميرها , و تسلط وتسيد فئات
قليلة ( ومحدودة ) على إمكانات ومقدرات
معظم الكرة الأرضية .
صحيح , أن الدول والمنظمات ليست
جمعيات خيرية , ولا ينبغي أن تكون كذلك
. لهذا , يصبح أهم المطلوب من هذه
الكيانات هو فقط أن تراعى , في سلوكياتها
وسياساتها , المبادئ والقيم الإنسانية
والدولية الخيرة , لا أن تضرب بها عرض
الحائط ... خاصة عندما تكون في مراكز
قيادية . فالخير هو من يفيد ويستفيد .
إن " الإقليمية " التي تجسدها " مجموعة
الثمانية " , وما شابهها , ما هي ( كما
سبق أن ذكرنا ) إلا واحدة من عشرات "
التنظيمات " (المنظمات ) الإقليمية , في
عالم اليوم . وهناك عشرات المنظمات
الإقليمية , الفاعلة والصورية . ورأينا
, انه وبالتزامن ( تقريبا ) مع انعقاد قمة
" مجموعة الثمانية " عقدت عدة " قمم "
أخرى مشابهة , أهمها : قمة " مجموعة
الثماني النامية " ( الإسلامية ) ,
والقمة الأفريقية , وقمة " الاتحاد
من اجل المتوسط " . ot; .
وان " الإقليمية " الدولية هي تحرك
سياسي مشروع ... يجيزه ميثاق الأمم
المتحدة , إن لم تكن ذات أهداف عدوانية
. فمن حق الدول , التي ترتبط فيما
بينها بمصالح مشتركة ملموسة , أن تتعاون
وتتكتل , بهدف تحقيق هذه المصالح . ولكن
غياب الفعالية , وعدم التمسك بالقيم
الإنسانية والدولية النبيلة , والمقدرة
عالميا , من " العالمية " ( التنظيم
العالمي ) كما تتجسد في " الأمم المتحدة
" ومنظماتها التابعة , سيصعب , إن لم يعق
, عملية استتباب الأمن والسلم الدوليين
الحقيقيين , وعلى كل المستويات ومن كل
الأطراف , بما فيها المحلية والإقليمية
, وغالبا ما سيجعل من تحقق حد أدنى من
الرفاه , للبشرية عامة , حلما بعيد
المنال .
****
ويعتقد أن توسيع عضوية هذه المجموعة
سيؤدى إلى تلافى بعض , أو معظم , ما لها
من سلبيات . لذلك , ترتفع دعوات كثيرة
لتوسيع هذه العضوية . ومؤخرا , دعا ما
يعرف بـ " مجلس التفاهم العالمي " , وهو
مجلس يتكون من رؤساء دول ورؤساء وزارات
سابقين , بضرورة ضم خمس دول جديدة لعضوية
" مجموعة الثماني " , أو مجموعة الكبار
. وتضمن الترشيح الدول التالية :
المملكة , الصين , الهند , البرازيل ,
ودولة افريقية , تمثل القارة الأفريقية .
وذلك كي يمكن القول بان هذه المجموعة تمثل
أهم دول العالم .
وصرح السيد " انغفار كارلسون " , رئيس
وزراء السويد السابق , واحد ابرز أعضاء
مجلس التفاهم العالمي , بان الوقت قد حان
لتضم هذه المجموعة " قوى اقتصادية وسياسية
جديدة ,تعكس تمثيلا صحيحا للعالم ". ورحبت
الأوساط السياسية العالمية والعربية
والإسلامية بهذا المقترح , وبخاصة الجزء
المتعلق بضم المملكة .... لما تمثله من
ثقل اقتصادي وسياسي اقليمى مرموق , بفضل
إمكاناتها ومواردها الضخمة , وسياساتها
البناءة ... كدولة محبة للسلام , وتعمل
جهدها لاستتباب الأمن والسلم الدوليين ,
ولما لها من مكانة روحية كبرى في العالم
الاسلامى .
ـــــــــــــــــــــ
* أستاذ العلوم السياسية , عضو مجلس
الشورى , المملكة العربية السعودية .

استخدام
السلاح النووي كرادع : المفعول الخفي...؟!
صدقه يحيى فاضــــل
يمكن تقسيم " السلاح" العسكري إلى نوعين
رئيسين , هما: السلاح التقليدي: وهو الذي
يعتمد في قدرته التفجيرية على متفجرات
عادية (TNT) , وأسلحة " الدمار الشامل " :
التي تعتمد قدرتها التدميرية على متفجرات
هائلة التخريب ، وكاسحة التدمير. وتنقسم
هذه الأسلحة ( الاستراتيجية ) بدورها إلى
ثلاث فئات ، هي: الأسلحة الكيميائية ،
والبيولوجية ، والنووية. والأخيرة هي أقوى
وأفتك الأسلحة التي عرفتها البشرية ، على
الإطلاق.
ولاشك ، أن مجرد "وجود" أسلحة دمار شامل ،
في منطقة جغرافية ما ، يجب أن يثير ، لدى
أهلها ، الخوف والهلع ، بل والرهبة.
فلأسلحة الدمار الشامل وظيفتان هامتان
مفزعتان ، أو لنقل : " فائدتان" عسكريتان
– سياسيتان , هما الردع (Deterrence) في
حالة عدم الاستعمال ، وإنزال خسائر بشرية
ومادية هائلة بالخصم ( Mass Destruction)
في حالة الاستخدام . فمن لا يملك هذا
السلاح , بينما خصمه يمتلكه ، يكون ( في
أكثر الأحيان ) تحت رحمة ذلك العدو ,
وعرضة لابتزازه .
****
لقد قامت إسرائيل – بمساعدة أمريكا والغرب
بعامة – بامتلاك ترسانة ضخمة من أسلحة
الدمار الشامل. ولديها الآن مالا يقل عن
مائتي رأس نووي ، مع وسائل حمل وقذف هذه
القنابل – صواريخ ، طائرات ، غواصات – ضد
أهداف ، تشمل كل المنطقة العربية. ولكن
إسرائيل كانت لا تعترف ( رسمياً )
بامتلاكها هذا العتاد ، وإن كانت دائماً
تلوح به ... مستخدمة فائدة " الردع " ،
ومستعملة ما لها من مردود إيجابي على
سياساتها العدوانية . وقد صرح رئيس وزراء
إسرائيل أيهود أولمرت ( يوم 11 /12 /
2006م ) لإحدى محطات التلفزة الألمانية ,
بما معناه إن : لدى إسرائيل سلاحاً
نووياً. وكان ذلك اعتراف إسرائيلي , يصدر
لأول مرة , بأن إسرائيل دولة نووية. أما
رفضها – حتى الآن – الإقرار رسمياً وصراحة
، بكونها " دولة نووية " , فانه يرجع إلى
عدة أسباب ، لعل أهمها:-
1 – محاولة الظهور أمام الغرب والعالم
بمظهر الدولة المسالمة ، بل والمستضعفة ,
والمستهدفة ... طمعاً في المزيد من الدعم
الغربي والدولي.
2 – العمل على " إعاقة " العرب من تطوير
أسلحة نووية خاصة بهم ... والحيلولة دون
إعطاء هم الـ "مبرر" لهذا السعي. ومعروف
ما فعلته – وتفعله – إسرائيل .... لإعاقة
ووقف أي تنمية نووية عربية ، حتى وإن كانت
لمجرد الأبحاث والاستخدامات السلمية ، في
أي قطر عربي . ومن المؤسف ، أنها نجحت
تماما في عمليات " الإعاقة " هذه ....
والدليل هو : هذا " الضمور" النووي العربي
المشين ....
3 – ضمان استمرار تدفق الدعم الأمريكي –
العسكري والسياسي والاقتصادي – البالغ
السخاء للدولة العبرية .... والعمل على
زيادة هذا الدعم. وإن اعتراف إسرائيل (
رسميا ً) بامتلاكها وتطويرها للسلاح
النووي , يؤدي إلى: عرقلة هذا الدعم ،
وربما وقفه. حيث أن " القانون" الأمريكي
يمنع تقديم مساعدة حكومية أمريكية مهمة
لأي دولة تمتلك أو تنمي أسلحة نووية – عدا
الدول الموقعة على اتفاقية حظر الانتشار
النووي ، والتي صنفت كدول نووية ، في تلك
الاتفاقية. هذا , رغم أن إسرائيل هي , في
العرف الامريكى , كيان فوق القوانين ...
****
ومعروف , أن الحملة الأمريكية –
البريطانية – الإسرائيلية الحالية ضد
إيران تشن بحجة أنها تحاول امتلاك رادع
نووي عسكري . وهذا في الواقع ، غير صحيح
حتى الآن. ولا جدال ، أن معظم الشعوب
العربية تتمنى أن تمتلك دولة عربية أسلحة
دمار شامل ... لتواجه بها أسلحة الدمار
الشامل الإسرائيلية. إنه أمر تقف
الصهيونية والاستعمار دون مجرد التفكير
فيه . إذ يبدو أن الصهيونية تأمل أن
تستطيع حتى منع العرب من " الحلم " به
.... ولكن الشعوب العربية تحتاج – منطقيا
- " رادعاً " ، مقابل " رادع " – على
الأقل ....
إن من يظن أن إسرائيل لا " تستخدم "
سلاحها النووي ، ضد العرب ( وعلى مدار
الساعة ) يتجاهل الـ " مفعول" السياسي
المزدوج لهذا السلاح. إنها تستخدمه ...
كعنصر ردع – فعال جداً , وفى اغلب الأحوال
. فهي تحاول أن تكون الآمرة الناهية في
المنطقة ... تعمل ما تشاء ... ولا يعمل ما
لا ترغبه. وإن عارضها معارض قوي ، فهناك
رادعها النووي – إن عجز رادعها
التقليدي... ؟!
صحيح ، أن معظم المراقبين العرب والمسلمين
, وغيرهم , لا يريدون أسلحة دمار شامل –
بل ولا حتى أسلحة تقليدية عادية – سواء في
يد أنظمة ديكتاتورية ( أو غير ديكتاتورية
) طائشة , أو غير طائشة . ولكن , لا احد
من المنصفين يجب أن يقبل مبدأ : تفرد
إسرائيل ( هذا الكيان الاجرامى ) بحيازة
ميزة " الردع " النووي ، ضد كل الأمة ...
فلابد – حماية للأمن القومي العربي ،
وضماناً لنجاح السياسات السلمية والتنموية
العربية – أن يكون هناك ، في مواجهة
إسرائيل ، رادع نووي عربي ( أو اسلامى )
... يحيد رادعها النووي ، المرعب.
ومن غير المنطقي , والحالة هذه , أن يلعب
المستهدفون , بأسلحة إسرائيل , في ملعب
الأخيرة , بالمطالبة بوقف التنمية النووية
في بعض دول المنطقة ... مع تجاهل الخطر
النووي الاسرائيلى الداهم . فالبعض يفسر
ذلك بأنه قبول بالهيمنة السياسية (
النووية ) الصهيونية , أو تسهيل لخطة
السيطرة الكريهة هذه .

( 37 )
سياسات نووية .....؟!
د . صدقه يحيى فاضل
تكاد أمريكا – وإسرائيل – أن تحظر على
العرب حتى دراسة الفيزياء والكيمياء
والهندسة , كي لا يستغلوا معرفتهم في هذه
العلوم لإنتاج أسلحة دمار شامل , وبخاصة
الأسلحة النووية .... لان ما يعتمل في
صدور العرب من غبن وقهر تجاه الصهاينة (
يدركه أكثر ساسة أمريكا ) قد يدفع العرب –
أو بعضهم – لاستخدام هذه المعرفة ضد عدوهم
( سيما وان هذا العدو يشهر نفس السلاح
ضدهم ) .... وفى ذلك تهديد ( خطير ) لـ
"امن إسرائيل " ....؟!!
إن من عجائب العلاقات الدولية , في العصر
الحديث والمعاصر , أن تضع دولة عظمى –
اميركا – كل ثقلها .... لكي تضمن " تفوق "
وهيمنة دويلة مصطنعة - إسرائيل – في كل
المجالات , ومنها التسلح بكل أنواع
الأسلحة الإستراتيجية , وفى ذات الوقت ,
تعمل كل ما بوسعها لإضعاف الطرف الآخر –
العرب – والحيلولة دون نهوضه .... حتى
لايهدد إسرائيل ... وحتى تمسى بلاده لقمة
سائغة للامبريالية , وأطماعها الاستعمارية
البغيضة .
وتتجلى هذه العجيبة في : فلسطين والعراق ,
وغيرهما . كما تتجلى بوضوح اكبر في :
مسالة التسلح النووي . ففي الوقت الذي
يسمح فيه لإسرائيل – بل وتقدم لها كل
المساندة الممكنة – بامتلاك حوالي 300 رأس
نووي , ووسائل حملها وقذفها في دائرة كبرى
.... تكاد تغطى كل العالم العربي , فان
أمريكا – وإسرائيل – تقيم الدنيا ولا
تقعدها إن شرعت إحدى الدول العربية في
أبحاث نووية , أو فكرت في امتلاك بنية
نووية للأغراض السلمية ؟!
*****
لقد امتلكت إسرائيل قوة نووية ضاربة ,
بدعم غربي وامريكى تقنى وسياسي شامل .
ومازالت إسرائيل ترفض حتى مجرد خضوع بعض
منشئاتها النووية للتفتيش الدولي , وتصر –
بصفاقة غير مسبوقة – على عدم الانضمام إلى
"اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية "(
NPT ) , وتسخر من كل المحاولات العربية (
والإقليمية والدولية ) الرامية لإقامة "
منطقة شرق أوسط خالية من السلاح النووي "
.
أما العرب , فقد وقعوا الاتفاقية المذكورة
, وصادقوا عليها , دولة بعد أخرى . ومع
ذلك , مازالت بعض الأوساط الأمريكية تعمل
على : ضمان خلو العالم العربي من اى معرفة
نووية تقنية تذكر . ورأينا ما عملته
أمريكا تجاه العراق ( بإيعاز من دوائر
صهيونية معروفة ) لمجرد انه كان لديه بعض
العلماء القادرين على تطوير سلاح نووي
.... ومجرد إمكانية حيازة العراق للخيار
النووي , في المدى الطويل .
****
ولعل آخر أمثلة هذا التحامل هي : الأقاويل
التي أثيرت ( في يونيو 2005م ) من قبل بعض
وسائل الإعلام الأمريكية المتصهينة , بان
المملكة لديها منشات ومواد نووية خطرة ,
وانه ينبغي إخلاءها من هذه التقنية . وهى
أكذوبة .... لم يكن هدفها سوى حجب الأنظار
عن إمكانيات إسرائيل النووية .
وقد تعامل المسؤلون السعوديون مع هذه
الزوبعة بحكمة وواقعية .... أخرست تلك
الأبواق , وأحرجت الصهاينة . فهؤلاء
المسؤلون – وعلى رأسهم الأمير سعود الفيصل
, وزير الخارجية – أكدوا عدم وجود اى قدرة
نووية بالمملكة , بل وانعدام الرغبة في
التسلح النووي , خاصة وان المملكة وقعت
وصادقت على اتفاقية حظر انتشار الأسلحة
النووية , وغيرها . والاهم أنهم لفتوا
الأنظار إلى إسرائيل , وموقفها المشين في
المسالة النووية .
sd
( 38 )
وقبل ذلك , أكدت " الوكالة الدولية للطاقة
الذرية " ( IAEA ) - على لسان الناطق
الاعلامى باسمها – خلو المملكة من اى مواد
محظورة , وعدم قيامها باى نشاط نووي ,
سواء سلمى أو عسكري . وذلك ردا على تلك
التقارير الصحفية الغربية . كما أن هذا
المتحدث أكد أن : المملكة هي " في طليعة
الدول الداعية لاستخدام الطاقة النووية
للأغراض السلمية فقط " . ومما برهن حسن
نواياها أكثر , في هذا الصدد , قيامها (
يوم 16/6/ 2005م ) بتوقيع اتفاق الضمانات
, وبروتوكول الكميات الصغيرة , المنبثقة
عن اتفاقية حظر الانتشار النووي .
****
واعتقد أن السياسة النووية السعودية
الراهنة جيدة , وملائمة – بصفة عامة –
للأوضاع النووية والسياسية , المحلية
والإقليمية والعالمية . وفيها الكثير من
الحكمة , والتأكيد على محبة السلم . ومن
ناحية أخرى , فاننى – كمواطن عربي سعودي –
أتمنى أن لاتكون " البنية النووية "
السعودية - اى : مجموع العلماء والتقنيين
, والمنشات النووية – معدومة , أو ضئيلة
جدا . وأتمنى أن يسعى لتطويرها ....
لتتلاءم والمستوى العلمي والتقني الذي
وصلت إليه البلاد , وان يستمر هدفها – كما
هو حاليا – هو : استغلال القوة النووية
للأغراض السلمية المختلفة , ومنها : توليد
الطاقة وتحلية المياه , وشق الطرق ,
والتطبيب .....الخ .
أما الخيار النووي العسكري , فان المملكة
قد استبعدته تماما . ولكن إصرار بعض
المعادين المحتملين على تملك هذا الخيار ,
وفى مقدمتهم إسرائيل ( وهى على مشارف
حدودنا الشمالية الغربية ) ربما يجعل من
المنطقي إعادة النظر في هذا الاستبعاد –
فيما بعد – خاصة إذا لم يتم التوصل إلى
السلام العادل المنشود بالمنطقة .

( 20 )
زوال الغموض النووي الاسرائيلى ...؟!
صدقه يحيى فاضـــــــــــل
كانت إسرائيل – وما زالت – تتبع سياسة "
الغموض " فيما يتعلق بمسالة تسلحها النووي
. ولقد أحيط كامل النشاط النووي
الاسرائيلى بسرية وتكتم شديدين , منذ
ابتداءه في عام قيام إسرائيل , سنة 1948م
. حتى وجود " لجنة الطاقة الذرية "
الإسرائيلية لم يعرف عنه إلا بعد سنوات من
إنشاءها فعلا . وفى عام 1962م أثيرت –
لأول مرة – بعض التساؤلات عن مفاعل "
ديمونا " . ولكن " ديفيد بن جوريون " ,
رئيس وزراء إسرائيل آنئذ , أنكر حقيقة تلك
المنشاة .... وقال عن مفاعل ديمونا انه
مجرد " مصنع للنسيج " ...؟!
ولم تتم مناقشة موضوع التسلح النووي في
إسرائيل علنا إلا في الثمانينات . وقد
أدلى " ليفي اشكول " , ثالث رئيس للوزراء
في إسرائيل , بتصريح شهير , عام 1964م ,
بخصوص الامكانات العسكرية النووية
الإسرائيلية , إذ قال : " إن إسرائيل لن
تكون أول بلد يدخل أسلحة نووية إلى منطقة
الشرق الأوسط " ...؟! وظل زعماء إسرائيل
يرددون هذا التصريح من بعده , من حين لآخر
, للتمويه , وإضفاء المزيد من الشك لدى
خصوم إسرائيل , بل وحتى أصدقاءها.
إن الموقف الرسمي الاسرائيلى بشان التسلح
النووي , كان – حتى ديسمبر 2006م – يكتنفه
غموض كثيف مقصود .... ففي الوقت الذي
تمتلك فيه إسرائيل أسلحة نووية ضاربة ,
وجاهزة للاستخدام ( قوامها حوالي 200 راس
نووي ) وتلوح باستعمال هذا السلاح – إن
تعرضت لتهديد خطير – فإنها تنكر ( رسميا )
أن لديها أسلحة نووية .... وتصر بأنها "
سوف لن تكون أول بلد يدخل أسلحة نووية
للمنطقة " ....؟!
****
والواقع أن ذلك الغموض هو عبارة عن : خدعة
صهيونية مدروسة . فإسرائيل كانت – ومازالت
– دولة نووية , منذ السنوات الأولى
لقيامها , في فلسطين . وان أهم أهداف
تسلحها النووي هي : ضمان وجودها وهيمنتها
على المنطقة ككل .... انطلاقا من : إيمان
القادة الاستراتيجيين
( 21 )
الاسرائيلين بان وجود كيانهم ودوام
سيطرتهم مرهون بمدى قوته العسكرية . فكيان
قائم على العدوان على شعب بأكمله ,
واغتصاب أرضه ومصادرة ممتلكاته , لا يمكن
أن يستمر إلا بالقوة الغاشمة .
وتهدف السياسة النووية الإسرائيلية
الحالية , المتسمة بالغموض المصطنع
والمقصود , إلى : ردع أعداء إسرائيل عن
مهاجمتها , أو تهديدها , وتحدى هيمنتها .
فإسرائيل تريد ردع مناوئيها عن تحديها ,
وفى ذات الوقت : تنكر ( رسميا ) أنها
تمتلك أسلحة نووية .... لتظهر بمظهر
الدولة المسالمة ( المهددة ) ولتثنى لعرب
بخاصة ( والدول الإسلامية بعامة ) عن
التفكير ( جديا ) في امتلاك الخيار النووي
العسكري هم أيضا . فاشد ما يقلق الصهاينة
هو : أن تقدم احدى الدول العربية أو
الإسلامية على حيازة أسلحة نووية رادعة ,
لاحتمال أن تكون إسرائيل هي احد الأهداف
التي قد توجه ضدها تلك الأسلحة .... لما
سببه قيام وتوسع إسرائيل من غبن وقهر ,
لدى كل الشعوب العربية .
****
إسرائيل , إذا , تتبع سياسات نووية ....
قوامها : الردع ... مع عدم التصريح بوجود
أداة هذا الردع ! أو هو : ردع ... مع عدم
اليقين , أو الشك . وهى سياسة لم يصدقها
المراقبون غير العرب .... ناهيك عن أن
يصدقها المراقبين العرب . فكل " الدلائل "
تشير إلى : امتلاك إسرائيل لترسانة نووية
متوسطة , سواء أعلنت إسرائيل عنها , أو
تكتمت .
وهذه المناورة النووية الصهيونية نجحت فقط
في استمرار تعاطف بعض الأوساط الغربية مع
إسرائيل .... ولم تحقق بقية الأهداف
المتوخاة من الغموض فيها . ولكن حقيقة
حيازة إسرائيل للسلاح النووي , الجاهز
للاستخدام ( والمصوب نحو التجمعات
السكانية العربية والإيرانية الكبرى )
أسهمت في تصعيد " الردع " لصالح إسرائيل ,
لاسيما في ظل تجريد العرب – طوعا , وكرها
– من أية إمكانية نووية تذكر , حتى ولو
سلمية .
****
ولأول مرة , يحدث تغيير – شبه جذري – في
سياسة إسرائيل النووية هذه ..... يوم أدلى
" أيهود اولمرت " , رئيس وزراء إسرائيل
الحالي , بتصريح لإحدى محطات التليفزيون
الألمانية , بتاريخ 11 / 12 / 2006م ....
قال فيه : " إن إسرائيل دولة نووية ,
لكنها مسؤلة " . ومضى قائلا : " إن
إسرائيل لا تهدد اى بلد في العالم , بينما
إيران تهدد
( 22 )
بوضوح بإزالة إسرائيل من الخارطة ... هل
يمكن الحديث عن مستوى التهديد ذاته , حين
يطمح الإيرانيون إلى امتلاك أسلحة نووية ,
مثل فرنسا والولايات المتحدة وروسيا
وإسرائيل " ...؟!
ورغم أن " اولمرت " تراجع , بعد ضغوط
داخلية وخارجية مكثفة عليه , عن ذلك
التصريح , إلا أن ما حمله من مضمون سيظل
باقيا . ففي مؤتمر صحفي , عقده مع
المستشارة الألمانية " أنجيلا ميركل " ,
يوم 12 / 12 / 2006م , بادر بالقول انه
كان يقصد : لو كانت إسرائيل تمتلك أسلحة
نووية . وقيل في الأوساط السياسية
الإسرائيلية , تعليقا على تصريح اولمرت
هذا , بان ما قاله أصلا كان عبارة عن "
زلة لسان " . وجاء عن مكتب اولمرت : " إن
رئيس الحكومة لم يعترف, باى حال , بان لدى
إسرائيل سلاحا نوويا " ....؟!
وكان قد سبق ذلك تصريح مماثل لوزير الدفاع
الامريكى الجديد " روبرت غيتس " ... الذي
اقر , بشكل غير مباشر , بان إسرائيل دولة
نووية .... عندما أورد اسمها ضمن الدول
النووية التي تحيط بإيران . فلا احد يصدق
, قبل هذه التصريحات وبعدها , أن إسرائيل
ليست دولة نووية . وعلى كل المعنيين
اعتبار ذلك حقيقة , لا مراء فيها .
وأيضا , وبتاريخ 21 يناير 2007م , وفى
محاضرة عامة له بإسرائيل , اعترف " ارييل
ليفيت " , نائب مدير عام اللجنة النووية
الإسرائيلية , وللمرة الأولى , بان "
إسرائيل دولة نووية " ..... في سياق حديثه
عن دور معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية
في " استتباب الاستقرار الدولي " . ونشر
هذا التصريح في عدة صحف عالمية , في اليوم
التالي لصدوره . ( انظر - على سبيل المثال
وليس الحصر- : " عكاظ " : العدد 14759 ,
23 / 1 / 2007م , ص 27 ) .
****
ويعتبر " اولمرت " واحدا من أشرس أبالسة
الصهاينة , وأكثرهم كذبا وخداعا ... ومن
الأمثلة الكثيرة على هذه الصفات : مضمون
التصريح المذكور الذي أدلى به... والذي
يقطر مغالطة , وتهديدا وافتراءا . فهو
يقول : إن امتلاك الدول " المتحضرة " (
مثل إسرائيل – على حد زعمه ) للسلاح
النووي لا يشكل خطرا على الأمن والسلم
الدوليين , عكس امتلاك " الدول الانفعالية
" لهذا السلاح ... فانه يشكل خطرا فادحا
على الأمن والسلام العالمي ... ؟! وتجاهل
اولمرت حقيقة " إسرائيل "
( 23 )
العدوانية , وطبيعتها الإجرامية المشهودة
.... وكونها أكثر الدول تهديدا لمن حولها
- كما تشهد بذلك نسبة كبيرة من المنصفين
في هذا العالم .
فالكيان الصهيوني قائم على العدوان ,
واغتصاب ارض شعب بأكمله , وطرد أهلها من
ديارهم .... ثم ما فتئ هذا الكيان يقتل
أبناء هذا الشعب , ويشردهم , ويذلهم .....
حتى بعد نزوحهم إلى الضفة الغربية وغزة .
وإسرائيل – بما تحمله من حقد ومطامع
وعنصرية – تمثل تهديدا قاتلا للعرب ......
وهى ما تكاد تفرغ من العدوان على طرف عربي
, حتى
تحضر لعدوان جديد . وقد تسبب هذا الكيان –
حتى الآن – في إلحاق أضرار هائلة بالمنطقة
..... من ذلك : قتل وجرح وتعذيب واعتقال
أكثر من نصف مليون فلسطيني . كما شرد أكثر
من ثلاثة ملايين فلسطيني , وصادر
ممتلكاتهم . وتقوم إسرائيل ( عبر جهاز
الاستخبارات فيها – الموساد ) بالتآمر على
الدول العربية , على مدار الساعة , وإيذاء
شعوبها , بشتى الوسائل الممكنة , والمتاحة
للصهاينة .
وما الدمار والقتل الذي الحق بالعراق
ولبنان , وغيرهما , مؤخرا , إلا من كيدها
وتخطيطها , وان كان " المنفذ " الرئيس
لذلك هو : من يدعم عدوانها , ويباركه .
وهى اليوم تخطط لحرب شعواء جديدة في
المنطقة .... بهدف استمرار احتكار امتلاك
السلاح النووي , وكل أسلحة الدمار الشامل
, وإضعاف اى منافس , أو خصم , محتمل ,
والمضي قدما في تنفيذ سياساتها الجهنمية
تجاه المنطقة وغيرها .... ابعد كل هذا
يتساهل العالم مع هذا الكيان ؟!

( 127 )
منطق الصواريخ ... ومنطق الـ " جينسنج "
...؟!
صدقه يحيى فاضــــــــــــــل
عجيب أمر بعض العرب .... وغريب منطق بعضهم
, خاصة بعض اؤلئك الذين يتصدون لقضايا
الأمة , والتحديات المصيرية , التي
تواجهها , بالشرح والتحليل ...؟! ومن
الأمثلة على هذا العجب : ما يقوله البعض
منهم بشان ما يسمى بـ " الملف النووي
الايرانى " . ويمكن توضيح هذا الاستغراب
عبر عدة " مداخل " , منها – كما اعتقد –
مضمون ( ومغزى ) احد الرسوم الكاريكاتورية
, التي لعلها من خير " الوسائل " المبينة
لهذا التخبط , واللامنطق , وخداع النفس .
انه رسم كاريكاتوري طريف , ومعبر .....
طالعته – بالصدفة – في إحدى الصحف المحلية
السعودية مؤخرا ( صحيفة " الوطن " ) وكان
عبارة عن : رسم لصاروخين , وبجانبهما شجرة
متهالكة , لأحد الأعشاب . الصاروخ في يمين
الرسم يعبر عن : إمكانات إيران النووية
المتصاعدة , وكتب عليه " إيران " .
والثاني بجانبه , ليرمز للقوة النووية
الإسرائيلية الضاربة , وكتب عليه اسم "
إسرائيل " . أما " الشجرة " – وهى في يسار
الصورة , بجانب الصاروخ الاسرائيلى – فهي
نبتة لعشب يسمى الـ " جنسنج " .... يقال
انه " مقوى جنسي " , وكتبت عليه كلمة "
العرب " ؟!
صاروخان وشجرة " جنسنج " تلخصان قصة العرب
مع القدرات النووية , وغيرها . ويكاد هذا
الكاريكاتير ينطق بالقول : انه وبينما
طورت إسرائيل سلاحا نوويا رادعا , وبدأت
إيران في امتلاك ناصية التقنية النووية ,
فان العرب - وقد تخلوا , طوعا وكرها , عن
كل خيارات القوة والمنعة , ومنها القوة
النووية – منشغلون في زرع وتنمية عشبة "
الجنسنج " ...؟!
والعجيب , أن بعضهم يتباكى الآن من ما
يسمى بـ " الخطر النووي الايرانى " مطالبا
بسحقه , ناسيا – أو متناسيا – الخطر
النووي الأكبر ( والحقيقي ) وهو : خطر
إسرائيل النووية , الماحق و الساحق ...
ومنشغلا في أمور تافهة – نسبيا – تعيقه عن
تنمية وتقوية الذات , في اى مجال , وبخاصة
ميدان العلم والتقنية والتصنيع , الذي في
التفوق فيه , ترتقي الأمم , وتقوى ...
وتمسى مرهوبة الجانب , حامية لأمنها
واستقرارها , بقواها الذاتية , وسواعد
أبناءها , بعد عقول علماءها .
****
( 128 )
وفى الوقت الذي ينصرف فيه معظم العرب عن
تطوير أنفسهم , فان بعضهم - أو البعض من
هؤلاء - يقيم الدنيا ولا يقعدها , من تطور
الإمكانات النووية لجمهورية إيران
الإسلامية , متجاهلا مكائد ومؤامرات العدو
الحقيقي الأكبر للأمة العربية والإسلامية
, وهو إسرائيل .... شئنا أم أبينا , صدقنا
مع أنفسنا , أم لم نصدق .
اى نوع من المنطق يطفو على السطح هذه
الأيام ؟ لماذا لم يعمل العرب على تنمية
إمكاناتهم وقدراتهم – رغم كل العوائق ؟
أليس من حق إيران أن تنمى قدراتها التقنية
, وتعمل ما تعتقد انه يخدم مصالحها ,
ويصون أمنها ؟ لم لم تثار هذه الضجة أيضا
في وجه إسرائيل, رغم كل اعتداءاتها ؟ وألا
يمكن أن تجعل القوة النووية الايرنية
رادعا , ومحجما , للترسانة النووية
العسكرية الإسرائيلية , الموجهة – أصلا
وأساسا – نحو كافة المدن والمجمعات
السكانية العربية الكبرى ؟!
هذه الأسئلة – وأمثالها – لن يجيب عليها (
إجابة سليمة ) منطق الجهل والاستنفاع
والنفاق . فالإجابة الضافية والشافية
لاتوجد إلا عند ذوى منطق العلم والحق
والصدق . واغلب هؤلاء أصبحوا – مع الأسف –
قلة متوارية , في ظلمات وردهات معظم
العالم العربي .
ومن زاوية عقائدية وقومية : فان إيران
نووية ( أو اى دولة عربية أو إسلامية أخرى
) يمكن أن تعمل – ولو في المدى القصير –
رادعا للقوة النووية الإسرائيلية ....
بدليل : أن من أسباب إقدام إيران على
محاولة امتلاك الخيار النووي هو : تهديد
إسرائيل النووية , وان المعارض الأول
لحيازة إيران الخيار النووي هو إسرائيل
... وإسرائيل ستكون في مقدمة المهاجمين
للمنشات النووية الإيرانية . ولا يرضى
العربي والمسلم الشريف أن يكون في خندق
واحد مع إسرائيل , وضد دولة إسلامية ؟!
*****
وأظن ( وقد أكون مخطئا ) انه مهما بلغت
خلافات العرب مع إيران , فإنها لاتصل –
كما يبدو – إلى درجة العداء الذي تكنه
الصهيونية لهذه الأمة .... يكفى أن نذكر
بان : أهم أهداف الحركة الصهيونية هي :
إضعاف وإذلال العرب , والعمل على تخلفهم ,
في كل المجالات , عبر : تمزيقهم ,
وشرذمتهم , لبسط الهيمنة الإسرائيلية على
بلدانهم ومقدراتهم , بشكل نهائي .
فالصهيونية – مثلا – تعمل على تقسيم
المشرق العربي إلى عشرات الدول الصغيرة
والمستضعفة . كما تطمع في تقسيم إيران إلى
" دويلات " ضعيفة متناحرة ... لتزيد من
اضطراب المنطقة , ولتكون السيطرة المطلقة
المقبلة , على كامل هذه المنطقة , للكيان
الصهيوني . تلك هي مخططات وأهداف إسرائيل
, المعلنة وغير المعلنة . فاى خطر بعد هذا
الطوفان ؟! وهل سيجدي " الجينسنج " عندئذ
؟!
*****
ولاشك أن كل الخيرين بالمنطقة والعالم
يدعون لإخلاء هذا الجزء من العالم من كل
أسلحة الدمار الشامل .... على أن يشمل هذا
الحظر كل دول المنطقة وكياناتها , دون
أدنى استثناء . وهذا – ولله الحمد – هو
موقف قادة وحكومة هذه البلاد . كما أن من
غير المنطقي التقليل من الخطر البيئي
والسياسي , الذي قد ينجم عن تواجد المنشات
النووية الإيرانية , وخاصة إذا اخذ في
الاعتبار الحساسية ( التاريخية ) بين
القوميتين العربية والفارسية . ومع عدم
حسن الظن ( التام ) بنوايا إيران
المستقبلية , لايجب الاعتقاد بان :
الإمكانات النووية الإيرانية تمثل الخطر
الساحق الماثل على الأمة العربية . إن ذلك
لاينطبق – حقا – إلا على القوة النووية
الإسرائيلية , المصوبة – بالفعل – لصدور
الأمة .
وان التأمل المنطقي السليم في شان هذا
"الملف " وشجونه ( ومن زاوية المصالح
العربية والإسلامية الحقيقية العليا ) ,
يؤكد – بالقطع – ما ذكر . أما النظرات
المغالية , والتحليلات المغرضة , وما يقال
بناءا على ما يشار إليه بمنطق العلاقات
الدولية الراهنة , فلها استنتاجاتها ....
العاجزة عن إقناع العقلاء بعكس ما قيل
آنفا .

( 37 )
وماذا عن " ديمونا " أيها " المجتمع
الدولي " ....؟!
صدقه يحيى فاضـــــــــــــــل
تعتبر محطة " ديمونا " النووية
الإسرائيلية مركز النشاط النووي العسكري
الصهيوني , والمعمل الذي مكن إسرائيل من
امتلاك ترسانة من القنابل النووية ,
قوامها أكثر من مئتى راس نووي .... موجهة
– بالفعل – إلى التجمعات السكانية العربية
الرئيسة , في مشرق العالم العربي ومغربه .
وقد فضح الفني النووي الاسرائيلى " مردخاى
فانونو " , وغيره , ما يجرى داخل هذه
المحطة من عمل رهيب , وأكد قيام إسرائيل
بتصنيع قنابل نووية , لترهب بها مناوئيها
.
تقع هذه المحطة في مدينة " ديمونا " ,
شمال صحراء النقب , وتبعد حوالي 70 كيلا
عن مدينة " بئر السبع " . ويعتقد أنها
أقيمت بالقرب من بعض مناجم اليورانيوم
الموجودة صحراء النقب . وبها مفاعل شهير ,
فرنسي الصنع , طاقته 26 ميجاوات حراري .
وهو مفاعل ماء ثقيل , يستخدم فيه "
اليورانيوم " العادي كوقود , و " الماء
الثقيل " كمبرد ووسيط . وقد حصلت إسرائيل
عليه بموجب اتفاق مع فرنسا , وقع عام
1957م .
ومنذ تأسيسه , كرس لصنع السلاح النووي ,
ووضع ( بسرية تامة ) تحت إشراف وزارة
الدفاع الإسرائيلية , التي بدأت بتشغيل
ذلك المفاعل ابتدءا من مطلع العام 1964م .
ولقد بقى هذا المفاعل , الذي ترفض إسرائيل
إخضاعه لاى رقابة أو تفتيش دوليين , سرا
.... لا يعرف حقيقته ( وطبيعة نشاطه ) إلا
قلة من قادة إسرائيل وأمريكا .
ولم يكتشف وجوده إلا سنة 1960م . إلا أن
رئيس وزراء إسرائيل في ذلك الوقت , ديفيد
بن جوريون , أنكر وجود مفاعل نووي بديمونا
, وادعى إن ما يظن انه مفاعل نووي ما هو
إلا " معمل نسيج " . ثم عاد بن جوريون
نفسه ( في 21 /12 / 1960م ) واعترف بان
مفاعلا نوويا يجرى بنائه في ديمونا ,
بمساعدة من فرنسا . ولكنه صرح بان ذلك
المفاعل : إنما انشىء ليستعمل لـ "
الأغراض السلمية " فقط ...؟!
****
وتكمن أهمية مفاعل ديمونا , من الناحية
العسكرية , في كون ذلك المفاعل ينتج مادة
" البلوتونيوم " بكميات تكفى لصنع قنابل
نووية , وفى كونه لا يقع تحت أية رقابة أو
مساءلة أجنبية . ويدعم هذه الأهمية
والخطورة : امتلاك إسرائيل لمعمل استخلاص
البلوتونيوم , من وقود المفاعل المستهلك ,
وقدرة إسرائيل على إنتاج " الماء الثقيل "
, محليا . كما تأكد امتلاك إسرائيل الآن
معملا لتخصيب اليورانيوم , ضمن محطة
ديمونا هذه .
لقد مضى على إقامة مفاعل ديمونا وتشغيله
حوالي خمسة عقود . لذلك , بدا هذا المفاعل
يتقادم , وبدأت تتسرب منه " إشعاعات "
Radiation)) قاتلة , يهدد أذاها كل منطقة
النقب , بل وما حولها من بلدان مجاورة
لفلسطين . لهذا , أصبح مفاعل ديمونا يمثل
خطرا كبيرا على البيئة من حوله , إضافة
إلى : كونه يمد إسرائيل بالمواد اللازمة
لصناعة المزيد من القنابل النووية ,
الموجهة ضد الجيران , عربا ومسلمين .
****
وتمتلك إسرائيل وسائل كافية لحمل وقذف هذه
الرؤس النووية , ضد أهداف .... تمتد من
المحيط الاطلسى غربا , إلى الخليج العربي
شرقا . فلديها صواريخ ( ارض – ارض )
متوسطة وطويلة المدى , وطائرات وغواصات
.... مهيأة لحمل وقذف أسلحة نووية .
وإسرائيل تستعمل ( وتستفيد ) من سلاحها
النووي هذا – وعلى مدار الساعة .
فهي " تعربد " في المنطقة , وتفعل ما تشاء
, وترتكب الجرم تلو الآخر , ولا احد
يستطيع " ردعها " من الجيران .... لأنها
تمتلك ( هي وحدها ) رادعا نوويا ضاربا
.... جاهزا للاستخدام الفعلي , كما يستخدم
" وجوده " لتهديد وابتزاز , وإرهاب ,
مناوئي السياسات العدوانية الصهيونية ,
والضغط بورقته .... لتمرير السياسات
الاستعمارية – الصهيونية بالمنطقة . ومن
يقول : " إن إسرائيل لا تستخدم " ( ولن
تستخدم ) سلاحها النووي , إلا عند تهديد
بقائها فقط " لا يفهم نظرية " الردع
النووي " ومغازيها , ولا يلم ( مع الأسف )
بأبجديات العلاقات الدولية , وخاصة شقها
الصراعى .
****
لقد أعطت إسرائيل ( وداعميها ) لنفسها حق
احتكار السلاح النووي بالمنطقة, والتهديد
بامتلاكه , و " ردع " مناوئي سياساتها من
التصدي لها . وهاهم قادتها يهولون (
وبوقاحة غير مسبوقة ) من اى إمكانية نووية
في المنطقة .... في الوقت الذي تمتلىء فيه
خزائنهم بترسانة ضخمة من جميع أسلحة
الدمار الشامل , الذي يهددون بها المنطقة
, ويرهبونها , ويبتزونها , بها . ومن
المستغرب أن يساهم بعض المستهدفين ( بهذا
" الرادع الاسرائيلى " ) في الترويج لمبدأ
احتكار إسرائيل للسلاح النووي ...؟! عبر
التقليل من الخطر النووي الاسرائيلى ....
وتجاهل هذا الخطر , وغير ذلك من مظاهر
التحامل والغباء , وخيانة الذات .
نعود إلى " ديمونا " , لنجد أن : قوات
الجيش الاسرائيلى أعلنت ( في شهر نوفمبر
2007م ) حالة " تأهب قصوى " في محيط هذا
المفاعل , تم خلالها تجهيز بطاريات صواريخ
" باتريوت " , المنصوبة حول المفاعل
لحمايته . وقالت مصادر عسكرية إسرائيلية :
" إن هذه الحالة جاءت على اثر التطورات
الدرامية التي شهدتها المنطقة مؤخرا " .
وقال احد المسؤلين الإسرائيليين : " إن
هناك تحسبا من عملية سورية انتقامية , بعد
الغارة التي تم فيها قصف مفاعل سوري , في
منطقة دير الزور , في شهر سبتمبر 2007م .
ومن غير المستبعد أن يكون الهجوم إيرانيا
, أو عملية إرهاب دولي .... " ؟!
****
كل ذلك يؤكد خطورة " ديمونا " .... كونه "
المصدر " الذي مد إسرائيل – وما زال يمدها
– بالبلوتونيوم واليورانيوم اللازمين ,
لتصنع منهما قنابل نووية .... تهدد بها
المنطقة , وترهبها وتبتزها , وتضمن لها (
ولو إلى حين ) استمرار ممارسة إرهاب
الدولة , وبقية سياساتها الإجرامية
المعروفة . كما أن هذا المفاعل يمثل خطرا
فادحا على البيئة المحيطة , نظرا لتقادمه
, واحتمال تعرضه لهجمات . فهل يستمر "
المجتمع الدولي " في تجاهل هذا الخطر
القاتل ... لأنه ( بصفة رئيسة ) يطال عربا
.....؟!

( 37 )
نظــــــــام عالمي / رديء.....؟!
ا . د . صدقه يحيى فاضــــــــل
عقب انهيار الاتحاد السوفييتي , وزوال
تكتل المعسكر الشرقي ( حلف وارسو ) في
نهاية العام 1991م , كان أهم موضوع سياسي
علمي مطروح للنقاش الاكاديمى والصحفى في
العالم , هو " النظام العالمي " , بصفة
عامة , والنظام العالمي الذي سيسود العالم
بعد هذا الحدث الجلل , على وجه الخصوص .
فعندما كان الاتحاد السوفييتي في عز قوته
, كان " النظام العالمي " الذي ساد العالم
, في الفترة 1945 – 1991م ( حوالي 46سنة )
هو نظام يطلق عليه - علميا – " نظام
القطبية الثنائية الهشة " , وهو عبارة عن
: عالم توجد فيه دولتان ( أو معسكران )
كبريان , كل منهما بدرجة " قطب " (
Superpower ) متناقضتان إيديولوجيا ,
ومتنافستان من حيث المصالح , وقبضتهما على
العالم ليست تامة . لذلك , كانت العلاقات
السوفيتية – الأمريكية أساسها الصراع ,
وليس التعاون .... وكان هناك مجال
للمناورة أمام الدول الأقل قوة .
ويجدر بكل مثقف ( كي يكون كذلك بحق ) أن
يدرس مفهوم " النظام العالمي " , وتبعاته
, ونتائجه , وأنواعه ....الخ , ليعرف
الخطوط العامة للسياسة الدولية الراهنة ,
أو المعاصرة , بالنسبة له .... حتى يتمكن
من فهم واستيعاب السياسة القطرية
والإقليمية والعالمية , بشكل أعمق وأوضح .
فبدون فهم " النظام العالمي " , واهم ما
يتعلق به ,لا يمكن فهم السياسة الدولية ,
فهما جيدا , وعلى المستويات المحلية
والإقليمية والعالمية أيضا . وهناك "
مراجع " كلاسيكية مبسطة كثيرة في هذا
الموضوع , وبمختلف اللغات , منها كتب
للأساتذة الأمريكيين " هانس مورجانثو " ,
و " مورتون كابلان " , وغيراهما .
ومازلت استغرب من نفور البعض من " شيء من
الاكاديميا " في مجال فهم السياسة .....
رغم بساطة اغلب النظريات السياسية ,
وقربها من المعلومات العامة Common
Sense)). صحيح , ان فهم " السياسة " (
بصفة عامة ) يحتاج إلى عقل متبصر ,
ومتابعة ثاقبة , وتحليل منطقي . ولكن ,
لابد ان يضاف إلى كل ذلك : ضرورة الرجوع
إلى النظريات العلمية الأهم , التي يقدمها
علم السياسة والعلاقات الدولية , والتي
بدون فهمها أولا , لا يمكن فهم حركة
السياسة , المتواصلة على مدار الساعة .
ودراسة هذه النظريات هي أمر ممتع , وبسيط
وسهل . واستيعابها يوسع الأفق , ويكشف
التحليلات الزائفة , والمغرضة , والعبثية
, ويعرى ما يعتبر سخافات سياسية دارجة (
خصوصا في منطقتنا ) .... يرددها بعض "
المتعلمين " , وربما يعتبرونها قناعات
راسخة , و" حقائق " لا تقبل الجدل ...؟!
وربما لا يعلمون أنهم– بذلك – يكونون في
واد سحيق ... والعالم المستنير ( والفعلي
) في واد بعيد آخر...؟!
****
على اى حال , بعد انهيار الاتحاد
السوفييتي , وجد العالم نفسه بـ " قطب
واحد " , والقطب هنا ( لحسن حظ البعض ,
وسوء حظ البعض الآخر ) هو أمريكا ...
ولابد هنا من إشارة هامشية ضرورية , تتضمن
التذكير بان : " الدول " تتفاوت في " مدى
" قوتها ... أو مستوى ما لدى كل منها من "
قوة " ( بمعناها الواسع ) . فبناءا على ما
لدى هذه الدول من عناصر القوة , تصنف دول
العالم ( تنازليا ) إلى : دول عظمى (
أقطاب ) , دول كبرى , دول كبيرة , دول
متوسطة , دول صغيرة , دول صغرى , دويلات .
علما بان أهم " عناصر " القوة ( الدولية )
الستة هي : النظام السياسي للدولة المعنية
, كم ونوع السكان , الموقع الجغرافي
والطوبوغرافى , الموارد الطبيعية ,
القدرات التقنية , القوة المسلحة .
وبالطبع , تكون " المقارنة " نسبية ,
لعصرها . وعلى هذا الأساس , ظهرت الولايات
المتحدة ( بعد زوال الاتحاد السوفييتي )
كقطب وحيد ( أقوى دولة نسبيا ) في العالم
, وتحول النظام العالمي إلى " منتظم القطب
الواحد " , من " منتظم القطبية الثنائية "
, وذلك حتى إشعار آخر . فدوام نظام عالمي
واحد معين هو من المستحيلات . إذ لو دامت
لبريطانيا وفرنسا وألمانيا وايطاليا
وأسبانيا والبرتغال , لما وصلت للاتحاد
السوفييتي والولايات المتحدة , ومن بعدهما
إلى أمريكا , وحدها .
****
الشاهد , ماذا كانت تبعات ونتائج هذا
الحدث الهائل ؟!
كثيرة هي , بل تصعب على الحصر . ويمكن أن
نقول : إن معظم ما نراه ونسمعه , ونلمسه
من سياسات دولية راهنة هي من تداعيات –
ونتائج – هذا التحول , وذلك التطور الذي
حصل في " النظام العالمي " .
- فمثلا بالنسبة للأمريكيين ( ولإسرائيل )
:
فهذا جعل هذه الفترة هي عصرهم الذهبي ...
الذي يعملون – دون شك – على إطالته ,
لأقصى مدى ممكن . وذلك أمر مشروع لهم , إن
لم يضروا ( ويظلموا ) آخرين . فمن البدهى
أن يحاول الأمريكيون إطالة أمد تسيدهم (
وصدارتهم العالمية ) عبر كافة السبل , وفى
مقدمتها : تقوية الذات الأمريكية,
والمحاولة الدؤبة لإضعاف القوى الدولية
المنافسة لهم , والتي تحاول بدورها الصعود
إلى القمة العالمية .... التي يقال دائما
– وبحق – أن الوصول إليها أسهل من البقاء
فيها .
- وبالنسبة للعرب , وتوقعات المستقبل :
اذكر اننى كتبت , في عام 1991م , بحثا نشر
في احدى الدوريات بالخارج , بعنوان :
النظام العالمي الحالي والمستقبلي . وفيه
قلت : " إن النظام العالمي الراهن ( ذا
القطب الواحد ) سيتغير إلى : نظام "
الأقطاب المتعددة " .... لعدة أسباب ,
أهمها : الضعف النسبي لأمريكا , ووجود دول
كبرى .... بدأت قوتها الاقتصادية والتقنية
والعسكرية في التزايد .... الأمر الذي
ينبىء بتطور هذه الدول , لتصبح دولا عظمى
.... تتنافس مع الولايات المتحدة على قمة
العالم الاقتصادية – السياسية . وهذه
الدول هي : الصين , الاتحاد الاوربى ,
روسيا .... وربما اليابان . هذا ,
بالإضافة إلى استمرار أمريكا كدولة عظمى
... لتكون قطبا من عدة أقطاب , وليس قطبا
منفردا بالصدارة ...؟!
وما زلت على نفس الاعتقاد بان ما ذكر يظل
واردا , في المستقبل المنظور . ولم آت
بجديد . فهذا , في الواقع , هو ما يردده
معظم خبراء العلاقات الدولية .
****
أما ضمن فقرة " النظام العالمي والعرب " :
فقد كان من ضمن ما كتبته ( سنة 1991م) هو
التالي : " لقد تجرع العرب قدرا كبيرا من
المرارة .... في ظل الأنظمة العالمية
السابقة .... ويتوقع أن يسقيهم النظام
العالمي الحالي المزيد . فقد يكون "
الاسوا " , بالنسبة لهم . والواقع , أن من
مصلحة العرب ( كأمة ) أن يتحول المنتظم
الدولي الراهن إلى نظام التعدد القطبي ...
إذ أن ذلك سيسهل التحلل من ربقة الأقطاب
المعادية ..... عبر إمكانية الاستفادة (
الحذرة ) بالأقطاب الأخرى , في التصدي
للمناورات المعروفة , المضرة بالمصلحة
العربية العليا " .
واترك للقارىء الكريم استعراض ما حصل
للعرب , على يد النظام العالمي الحالي ,
منذ أكثر من عقد ونصف ؟! وليعدد بنفسه (
إن أراد ) أهم النتائج لسيادة هذا النظام
, بالنسبة للعرب ....؟!
ويلاحظ أننا وضعنا " فاصلة " ( / ) بعد
عنوان هذا المقال : لان الصفة التي يجب أن
يأخذها النظام العالمي الراهن ( أو غيره )
تعتمد على نظرة كل طرف معنى على حدة .
فهذا النظام غالبا ما يوصف ( من قبل
غالبية الأكاديميين ) بأنه " غاشم " و "
رديء " , بالنسبة للعرب , ولمن يكتون
بنيرانه , من غيرهم . ولكنه يعتبر "
ممتازا " ( ولاشك ) بالنسبة للأمريكيين ,
و كل من يستفيد من وجوده , بشكل أو آخر .
وفى العلاقات الدولية , كما هو في الحياة
( على وجه العموم ) كثيرا ما تصبح مصائب
قوم عند قوم فوائد .... وفوائد قوم , عند
قوم , مصائب .....

وقف " الاســـــلاموفوبيـــــا " ...؟!
صدقه يحيى فاضــــــل
معروف انه قد نتج عن الهجمات التي شنت على
الولايات المتحدة يوم 11سبتمبر 2001م ,
الكثير من التطورات السياسية الكبرى ,
وعلى اغلب المستويات . وطالت هذه النتائج
جزءا واسعا من عالم اليوم , وبخاصة
العالمين العربي والاسلامى . وهذه الهجمات
أدت لحدوث تحولات سياسية ضخمة في سياسات
أمريكا والغرب ( بصفة عامة ) تجاه العرب
والمسلمين , وغيرهم . يقول المحللون
المحايدون : أن هناك بعض النتائج
الايجابية , وكثير جدا من التداعيات
السلبية لهذه الهجمات , بالنسبة لقضية "
السلام والأمن " الدوليين . ويؤكدون أن :
النتائج السلبية لهذه الأحداث فاقت – حتى
الآن – معظم التوقعات .
وبالنسبة للعرب والمسلمين , لا شك أن
النتائج السلبية لهذه الهجمات تفوق –
كثيرا – ما قد كان لهذا الفعل من تداعيات
ايجابية . ونذكر أن من ابرز النتائج
السلبية هي : تقوية الموقف الاسرائيلى
تجاه العرب , غزو واحتلال وتدمير العراق ,
الإمعان في ظلم الفلسطينيين , غزو واحتلال
أفغانستان , تواصل الدعم الغربي للصهيونية
, التخطيط لتمزيق العالم العربي أكثر مما
هو عليه الآن , التضييق أكثر على العالمين
العربي والاسلامى فيما يتعلق بامتلاك
الأسلحة الإستراتيجية , تنامي ظاهرة "
الاسلاموفوبيا " ... الخ .
****
ولنقف قليلا عند ظاهرة " الاسلاموفوبيا "
, والتي تعنى : تسفيه وكراهية المسلمين (
بصفة عامة ) من قبل غيرهم , واتخاذ
إجراءات وأفعال ضدهم على أصعدة تواجدهم ,
والتمييز ضدهم , ومعاملتهم – دون سواهم –
معاملة سيئة ... فيها حط من الكرامة ,
وقدر من الاهانة المتعمدة ... باعتبارهم "
أصحاب عقيدة عنف وتخلف وكراهية للآخرين (
حاشا دين الله القيم ) , والحض على
استخدام العنف ضدهم ... " ....؟!
وهذه الظاهرة كانت – وما زالت – منتشرة في
كثير من أنحاء العالم , وبخاصة الغربي
.... وكانت درجة حدتها – وما زالت –
تتفاوت من مستوى منخفض , وغير معلن , إلى
مستويات حادة , وسافرة .
وكان من نتائج أحداث الحادي عشر من سبتمبر
2001م أن ارتفعت حدة الاسلاموفوبيا لدرجات
عالية غير مسبوقة , وبخاصة في الغرب (
بصفة عامة ) وافى أمريكا على وجه الخصوص .
ولا شك أن لهذه الظاهرة آثار سلبية كبيرة
على العرب والمسلمين , وخاصة أولئك الذين
اضطرتهم ظروف العيش للإقامة بالغرب , بشكل
دائم أو مؤقت . ولهذا , اهتم بها مؤتمر
القمة الإسلامية الطارئ , الذي عقد بمكة
المكرمة عام 1426هـ ( 2005م ) واعتبرها
احد اكبر الموضوعات التي تشغل العالم
الاسلامى برمته , لما لها من تداعيات
خطيرة , في الوقت الحاضر .
ولاشك أن هذه الظاهرة , وكل ما يتعلق بها
من أحداث وأفعال خطيرة , تندرج ضمن "
المواضيع " التي تعتبر من صميم مسائل
العلاقات العربية – الغربية , في الماضي
والحاضر , وصولا إلى المستقبل . ويعتقد أن
" المسؤل " عن قيام ونمو وتنامي ظاهرة "
الاسلاموفوبيا " هو تصرفات بعض العرب
والمسلمين المتشددين ( ظاهرة "
الغربوفوبيا " – إن صح الوصف ) من جهة ,
وتحامل وحقد المتشددين في الغرب على العرب
والمسلمين , من جهة أخرى . اى أن سببها
يعود – في الواقع – إلى طرفي العلاقة
..... وان كان هناك تفاوتا في مدى القوة ,
ومدى الحقد والكيد , والكيد المضاد .
****
لكل هذا , لابد أن يرحب العرب والمسلمون
بقرار مجلس النواب الامريكى : " الاعتراف
بان الدين الاسلامى احد أعظم أديان العالم
" , والذي صدر عن هذا المجلس , يوم 12
أكتوبر 2007م , بأغلبية جيدة . ومما جاء
في هذا القرار ما يلي : وحيث أن الاحتفال
بشهر رمضان ( 1428هـ ) بدا يوم 13 سبتمبر
2007م , ويستمر شهرا كاملا , فالآن ,
وعليه يتقرر أن مجلس النواب :
1 – يعترف بان الدين الاسلامى احد أعظم
أديان العالم ( لم يقولوا دينا سماويا ).
2 – يعبر عن الصداقة والدعم للمسلمين في
الولايات المتحدة والعالم .
3 – يرفض الكراهية والتعصب والعنف الموجه
ضد المسلمين في الولايات المتحدة , وحول
العالم .
4 – يشيد بالمسلمين في الولايات المتحدة ,
وحول العالم , الذين رفضوا التفسيرات
للإسلام , والحركات الإسلامية , التي تبرر
وتشجع الكراهية والعنف والإرهاب .
****
نعم , يمكن القول : بان هذا القرار يجب أن
يسر المسلمين في كل مكان , وخاصة المسلمون
الأمريكيون . وحبذا لو يبادر الجانب
العربي – الاسلامى برد هذه التحية ,
والإشادة الطيبة . ولكن المهم أن يتم على
الأرض " تفعيل " عدم الكراهية , وعدم
التفرقة , وتحقيق العدالة والإنصاف , دون
تمييز على أساس هذا الدين , أو ذاك .
إن العالمين العر |